(باب) معرِفةُ مُشْرِكِي العَرَبِ والعَجَمِ مَعنَى الشَهادةِ وفَهْمُهم لِما خاطَبَهم بِهِ الأنْبِياءُ عليهم السلام

تنبيه: تحميل الكتاب كاملا على صيغة pdf مِن أسفَلِ هذه الصفحة)

(باب) معرِفةُ مُشْرِكِي العَرَبِ والعَجَمِ مَعنَى الشَهادةِ وفَهْمُهم لِما خاطَبَهم بِهِ الأنْبِياءُ عليهم السلام

 

فصل: المُشرِكون فهِمُوا مَعنَى لا إله إلا اللهُ عِندَما دَعاهم الأَنبِياءُ إِلى الإسلام

يتَّضح مِن آياتٍ كثيرة في القرآن أنَّ المشركين أنفسَهم فهِموا مِن قول لا إله إلا الله وجوبَ البراءةِ مِن المشركين، لأنّهم فهِموا معنى رسالة الأنبياء أيْ فهموا الإسلام العامَّ والخطابَ الموجَّهَ إليهم.

كما قال نوحٌ عليه السلام لقومه: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (59)﴾ (الأعراف)

فأجابوا: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (23)﴾ (نوح)

ممّا يدل دلالةً واضحةً على أنّهم فهموا معنى لا إله إلا الله وأنَّ المطلوبَ منهم تركُ الآلهةِ مطلقاً وإفرادُ الله تعالى بالعبادة لأنّ الله وحدَه يستحقُّ العبادة. فلا بدّ لكلّ عاقل أن يقرَّ أنَّ المشركين فهموا أنَّ كلَّ مَن يَقبل هذه الشهادةَ فيحقِّقَها علماً وعملاً أنّه ليس منهم بل أنّه خرج من دينهم خروجاً تامًّا إلى دينٍ آخرَ جديدٍ.

ومعنى ذلك أنّهم فرَّقوا تماماً بين الشرك والإسلام وبين المشرك والمسلم، هذا مع أنَّهم لم يقبلوا الإسلام لأنفسهم! فالعجيب أنَّ مِن المنتسبين إلى الإسلام اليومَ بَل مِن المتصدِّرِينَ لِتَدريسِه مَن لا يفقَهُ هذا الأمرَ فيظنّ أنَّ مَن يفعل الشرك الأكبر الصريح المجمَعَ على كونه شركاً أكبرَ قد يكون مِن المسلمين محقِّقاً لحقيقةِ الإسلام!

وقال هودٌ عليه السلام لقومه: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ (50)﴾ (هود)

فكان جوابهم: ﴿قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (53)﴾ (هود)

ومثل هذا في القرآن كثير جدّاً.

وقد سبقت الإشارة إلى ما أجاب به المشركون لمّا دُعُوا إلى التوحيد.

فكلُّ المرسَلين قالوا لأقوامهم ما حكاه الله في سورة الأعراف:

﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (الأعراف: 59 و65 و73 و85، وهود: 50 و61 و84، والمؤمنون: 23 و32)

أمرُوهم بعبادة الله وحدَه وبيَّنُوا لهم أنّه لا معبودَ بحقّ غيرُه.

فأجابوا: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ (الأعراف: 70)

أي: هم فهموا من لفظ الإله أنّه المعبود. والقرآن مليء بمثل هذا.

قال الطبري في معنى الآية:

يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَتْ عَادٌ لِهُودٍ: أَجِئْتَنَا تَتَوَعَّدَنَا بِالْعِقَابِ مِنَ اللَّهِ عَلَى مَا نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ كَيْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَدِينَ لَهُ بِالطَّاعَةِ خَالِصًا وَنَهْجُرَ عِبَادَةَ الْآلِهَةِ وَالْأَصْنَامِ الَّتِي كَانَ آبَاؤُنَا يَعْبُدُونَهَا وَنَتَبَرَّأَ مِنْهَا؟ فَلَسْنَا فَاعِلِي ذَلِكَ وَلَا مُتَّبِعِيكَ عَلَى مَا تَدْعُونَا إِلَيْهِ، فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا مِنَ الْعِقَابِ وَالْعَذَابِ عَلَى تَرْكِنَا إِخْلَاصَ التَّوْحِيدِ لِلَّهِ، وَعِبَادَتِنَا مَا نَعْبُدُ مِنْ دُونِهِ مِنَ الْأَوْثَانِ إِنْ كُنْتَ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ عَلَى مَا تَقُولُ وَتَعِدُ

وقال المشركون لمّا دُعوا إلى التوحيد:

﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5)﴾ (ص)

قال الطبري مبيّناً:

يَقُولُ: وَقَالَ هَؤُلَاءِ الْكَافِرُونَ الَّذِينَ قَالُوا: مُحَمَّدٌ سَاحِرٌ كَذَّابٌ: أَجْعَلَ مُحَمَّدٌ الْمَعْبُودَاتِ كُلَّهَا وَاحِدًا، يَسْمَعُ دُعَاءَنَا جَمِيعَنَا، وَيَعْلَمُ عِبَادَةَ كُلِّ عَابِدٍ عَبَدَهُ مِنَّا {إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص: 5] أَيْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ …

عَنْ قَتَادَةَ، {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص: 5] قَالَ: ” عَجِبَ الْمُشْرِكُونَ أَنْ دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَحْده، وَقَالُوا: يَسْمَعُ لِحَاجَاتِنَا جَمِيعًا إِلَهٌ وَاحِدٌ مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ”

قد رأيتَ كيف ساق الروايةَ ويراها موافقةً لبيانِه السابق. قَصَدَ المشركون: (كيف نتوجّه جميعاً إلى الله، بل يجب أن نرفع طلباتِنا إلى الآلهة وهي تشفع لنا عند الله وترفع طلباتِنا إليه)، وبيان ذلك من عدَّةِ وجوهٍ في هذا الكتاب الذي تقرأه.

ثم ساق الطبري روايةً أخرى – وهي بمثله عند ابن أبي حاتم:

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا مَرِضَ أَبُو طَالِبٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَهْطٌ مِنْ قُرَيْشٍ فِيهِمْ أَبُو جَهْلِ بْن هِشَامٍ فَقَالُوا: إِنَّ ابْنَ أَخِيكَ يَشْتِمُ آلِهَتَنَا، وَيَفْعَلُ وَيَفْعَلُ، وَيَقُولُ وَيَقُولُ، فَلَوْ بَعَثْتَ إِلَيْهِ فَنَهَيْتَهُ؛ فَبَعَثَ إِلَيْهِ،

فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَدَخَلَ الْبَيْتَ، وَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَبِي طَالِبٍ قَدْرُ مَجْلِسِ رَجُلٍ، قَالَ: فَخَشِيَ أَبُو جَهْلٍ إِنْ جَلَسَ إِلَى جَنْبِ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يَكُونَ أَرَقَّ لَهُ عَلَيْهِ، فَوَثَبَ فَجَلَسَ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ، وَلَمْ يَجِدْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَجْلِسًا قُرْبَ عَمِّهِ، فَجَلَسَ عِنْدَ الْبَابِ، فَقَالَ لَهُ أَبُو طَالِبٍ: أَيِ ابْنَ أَخِي، مَا بَالُ قَوْمِكَ يَشْكُونَكَ؟

يَزْعُمُونَ أَنَّكَ تَشْتُمُ آلِهَتَهُمْ، وَتَقُولُ وَتَقُولُ؛ قَالَ: فَأَكْثَرُوا عَلَيْهِ الْقَوْلَ، وَتَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «يَا عَمِّ إِنِّي أُرِيدُهُمْ عَلَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ يَقُولُونَهَا، تَدِينُ لَهُمْ بِهَا الْعَرَبُ، وَتُؤَدِّي إِلَيْهِمْ بِهَا الْعَجَمُ الْجِزْيَةَ» ،

فَفَزِعُوا لِكَلِمَتِهِ وَلِقَوْلِهِ، فَقَالَ الْقَوْمُ: كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ؟ نَعَمْ وَأَبِيكَ عَشْرًا؛ فَقَالُوا: وَمَا هِيَ؟ فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: وَأَيُّ كَلِمَةٍ هِيَ يَا ابْنَ أَخِي؟ قَالَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» ؛ قَالَ: فَقَامُوا فَزِعِينَ يَنْفُضُونَ ثِيَابَهُمْ، وَهُمْ يَقُولُونَ: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص: 5] قَالَ: وَنَزَلَتْ مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ إِلَى قَوْلِهِ: {لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ} [ص: 8]

فتبيّن أنّ المشركين من العرب فهموا معنى الشهادة تمامَ الفهم لمّا خُوطبوا بها، لأنّهم تعجَّبوا مِن محمّدٍ ﷺ أنّه جعل الآلهة المعبودةَ عندهم معبوداً واحداً، وهذا يدلّ قطعاً على أنّهم فهموا ما خاطبهم به النبيُّ ﷺ ، فعلموا معنى لا إله إلّا الله.

Send this to a friend