(باب) ذِكرُ (إسلامِ الوجهِ) للهِ فِي القُرآنِ وأنَّه الإسْلام والإخْلَاص

تنبيه: تحميل الكتاب كاملا على صيغة pdf مِن أسفَلِ هذه الصفحة)

(باب) ذِكرُ (إسلامِ الوجهِ) للهِ فِي القُرآنِ وأنَّه الإسْلام والإخْلَاص

قد اتّضح أنّ الدِّين كلّه ينبني على تطهير الأعمال من الشرك الأكبر، وقد سُمِّيَ الدينُ كلُّه باسم يدلّ على هذا المعنى دلالةً صريحةً. وما قيل في المصدر يقال في جميع المشتقّات لأنّها تحمل المعنى نفسه. فالمتّبع لهذا الدين اسمه مسلم لأنّه محقِّقٌ لِلإسلام أي لِلإخلاص.

ولا شكّ أنّ بيان هذا المعنى لا بدّ أن يكون ظاهراً متكرِّراً في كتاب الله لِأهميَّته، لذلك نجد في القرآن عدَّةَ مواضعَ تبيِّن معنى الإسلام، وفيها تفصيل المرادِ بالشيء الذي يُسلِمُه المسلم ويُخلِصُه المُخلِص ما هو، وهذا من تفسير القرآن بالقرآن، وقد صرّح السلف بهذا مراراً كما يأتي.

قال الله تعالى:

﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111)﴾ (البقرة)

  • فهؤلاء من اليهود والنصارى ادّعَوا أن الجنّة مخصوصة لهم.
  • فادّعت كلّ طائفة منهما أنّ الذي يُدخله الله جنّته لا يكون إلَّا منهم.

كما روى ابن أبي حاتم في تفسيره:

عن ابن الْعَالِيَةِ قَالَ: قَالَتِ الْيَهُودُ: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا يَهُودِيٌّ. وَقَالَتِ النَّصَارَى: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا نَصْرَانِيٌّ. وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَالرَّبِيعِ، وَالسُّدِّيِّ نَحْوُ ذَلِكَ.

  • لكنّ الله تعالى يكذّبهم، فإنّما ذلك من أمانيّهم التي ذكر الله بعضها في مواضعَ من كتابه.

روى ابن أبي حاتم:

عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ يَقُولُ اللَّهُ: تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ يَقُولُ: أَمَانِيّ تَمَنَّوْهَا عَلَى اللَّهِ بِغَيْرِ حَقٍّ.

وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ، وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ نَحْوُ ذَلِكَ.

  • ثم يقرّر الله تعالى المنهج الصحيح الوحيد لمعرفة الحقّ وهو إثبات الدعوى بالدليل.
  • هذا الدليل لا يمكن أن يكون في هذا الأمر من غير الله، لأنّهم تكلّموا فيمن يدخله الله جنّته دون غيره، وهذا لا يُعلم إلا مِن عند الله تعالى. لكنّ الله تعالى يكذّب دعواهم هذه ويبيّن أنّهم افترَوا ذلك على الله بغير علم.

كما روى ابن أبي حاتم:

• … عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ: قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ أَيْ حُجَّتَكُمْ.

وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَالسُّدِّيِّ، وَالرَّبِيعِ نَحْوُ ذَلِكَ.

• … عَنْ قَتَادَةَ: قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ قَالَ: بَيِّنَتَكُمْ عَلَى ذَلِكَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ.

ثم يبيّن الله تعالى مَن الذي يَدخل الجنّة حقيقةً بِخلاف دعواهم، فقال:

﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (112)﴾ (البقرة)

  • أي بلى هناك مَن يدخل الجنّة وله أجره عند ربّه.
  • وهو المسلم وجهَه لله. فالله تعالى يخبر أنّ كلّ مَن اتَّصف بهذا نال رضاه، وفي ذلك بيان معنى كلمة الإسلام. كما جاء عند الطبري:

… عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: ” أَخْبَرَهُمْ أَنَّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ هُوَ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ.

  • أمّا الأجْر المذكور في الآية فهو الجنّة ورضوان الله، لِما ذكِر في الآية التي قبلها من أنّ أهل الكتاب ادّعوا ذلك لأنفسهم كما سبق.
  • هؤلاء المسلمون لا خوف عليهم ممّا يأتي ولا هم يحزنون على ما مضى.

كما روى ابن أبي حاتم في التفسير:

… عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ يَعْنِي فِي الآخِرَةِ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ يَعْنِي لَا يَحْزَنُونَ لِلْمَوْتِ.

 

فصل: تَفْسِيرُ السَّلَفِ لِقَولِه تَعالى ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ﴾ بالإخلاص

روى ابن أبي حاتم في تفسير هذه الآية:

• … عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ: بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ يَقُولُ: مَنْ أَخْلَصَ لِلَّهِ. وَرُوِيَ عَنِ الرَّبِيعِ نَحْوُ ذَلِكَ.

• … عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ قَالَ: مَنْ أَسْلَمَ أَخْلَصَ وَجْهَهُ، قَالَ: دِينَهُ.

وذكَر كِلا القولين أيضاً عند قوله تعالى ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (125)﴾ (النساء)

والحنيفُ هو المتّبع لملَّة إبراهيم المخلصُ لله تعالى، كما روى ابن أبي حاتم عند الآية المذكورة آنفاً:

عَنِ السُّدِّيِّ قَوْلَهُ: حَنِيفًا يَقُولُ: مُخْلِصًا.

وإن جاء غير ذلك عن السلف فليس على سبيل المخالفة بل من قبيل اختلاف التنوّع الذي هو ضرب الأمثال للأمر الواحد، وهذا كثير في تفسير السلف للآيات.

وروى الطبريّ في آية البقرة مثل ما سبق عند ابن أبي حاتم بسنده عن الربيع كما يأتي في النقل التالي.

قال الطبري في معنى إسلام الوجه لله:

وَأَمَّا قَوْلُهُ: {مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ} [البقرة: 112] فَإِنَّهُ يَعْنِي بِإِسْلَامِ الْوَجْهِ التَّذَلُلَ لِطَاعَتِهِ وَالْإِذْعَان لِأَمْرِهِ. وَأَصْلُ الْإِسْلَامِ: الِاسْتِسْلَامُ؛ لِأَنَّهُ مِنِ اسْتَسْلَمْتُ لِأَمْرِهِ، وَهُوَ الْخُضُوعُ لِأَمْرِهِ. وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْمُسْلِمُ مُسْلِمًا بِخُضُوعِ جَوَارِحِهِ لِطَاعَةِ رَبِّهِ

كَمَا حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ: “{بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ} [البقرة: 112] يَقُولُ: أَخْلَصَ لِلَّهِ

وَكَمَا قَالَ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ:

وَأَسْلَمْتُ وَجْهِي لِمَنْ أَسْلَمَتْ … لَهُ الْمُزْنُ تَحْمِلُ عَذْبًا زُلَالَا

يَعْنِي بِذَلِكَ: اسْتَسْلَمَتْ لِطَاعَةِ مَنِ اسْتَسْلَمَ لِطَاعَتِهِ الْمُزْنُ وَانْقَادَتْ لَهُ.

وَخَصَّ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِالْخَبَرِ عَمَّنْ أَخْبَرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ} [البقرة: 112] بِإِسْلَامِ وَجْهِهِ لَهُ دُونَ سَائِرِ جَوَارِحِهِ؛ لِأَنَّ أَكْرَمَ أَعْضَاءِ ابْنِ آدَمَ وَجَوَارِحِهِ وَجْهُهُ، وَهُوَ أَعْظَمُهَا عَلَيْهِ حُرْمَةً وَحَقًّا، فَإِذَا خَضَعَ لِشَيْءٍ وَجْهُهُ الَّذِي هُوَ أَكْرَمُ أَجْزَاءِ جَسَدِهِ عَلَيْهِ فَغَيْرُهُ مِنْ أَجْزَاءِ جَسَدِهِ أَحْرَى أَنْ يَكُونَ أَخْضَعَ لَهُ.

وَلِذَلِكَ تَذْكُرُ الْعَرَبُ فِي مَنْطِقِهَا الْخَبَرَ عَنِ الشَّيْءِ فَتُضِيفُهُ إِلَى وَجْهِهِ وَهِيَ تَعْنِي بِذَلِكَ نَفْسَ الشَّيْءِ وَعَيْنَهُ …

وَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: بَلَى مَنْ أَخْلَصَ طَاعَتَهُ لِلَّهِ وَعِبَادَتَهُ لَهُ مُحْسِنًا فِي فِعْلِهِ ذَلِكَ.

فجاء تأويل إسلام الوجه لله في جميع تفاسير السلف بالمعاني المذكورة، فيقولون بأنه إخلاص العبادة وإخلاص الدين وإخلاص الطاعة لله.

وزيدُ بنُ عمرٍو المذكورُ كان من الحنفاء الذين اتَّبعوا ملَّة إبراهيم، وقد عرفتَ من أقوال السلَف أنّ الحنيف هو المخلص لله.

 

فصل: شِعْرُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بنِ نُفَيلٍ رَضِيَ اللهُ عَنْه وذِكْرُه الإسْلامَ قبْلَ نُبُوَّةِ مُحمَّدٍ ﷺ

البيْتُ المذكورُ مِن شعر زيد بن عمرو تُذكر معه أبياتٌ أخرى في كتب التفسير والسيرة، كما جاء عند ابن إسحاق وابن هشام:

وَأَسْلَمْتُ وَجْهِي لِمَنْ أَسْلَمَتْ … لَهُ الْأَرْضُ تَحْمِلُ صَخْرًا ثِقَالًا

دَحَاهَا فَلَمَّا رَآهَا اسْتَوَتْ … عَلَى الْمَاءِ أَرْسَى عَلَيْهَا الْجِبَالَا

وَأَسْلَمْتُ وَجْهِي لِمَنْ أَسْلَمَتْ … لَهُ الْمُزْنُ تَحْمِلُ عَذْبًا زُلَالًا

إذَا هِيَ سِيقَتْ إلَى بَلْدَةٍ … أَطَاعَتْ فَصَبَّتْ عَلَيْهَا سِجَالًا

ففي كلّ هذه الأبيات قال أسلمت، وهذا مهمٌّ لأنّ زيد بن عمرو مات قبل نبوّة محمّد ﷺ مع أنّ النبيّ ﷺ تعرّف إليه، وشهد له بالإيمان والجنَّة بعد، وتأتي الآثار في ذلك. فهذه الأبيات من شعر الحنفاء في الجاهليّة، قبل الإسلام الخاصّ. أمّا الإسلام العامّ الذي هو التوحيد ورسالة الأنبياء كلِّهم فإنّه كان موجوداً قبل البِعثة وإن قلّ.

فزيد بن عمرو بن نفيل كان من الحنفاء الذين انتسبوا إلى دين إبراهيم عليه السلام، كما أنّ المشركين انتسبوا إليه. لكنَّ الحنفاء عرفوا التوحيد وعمِلوا به فتبرَّؤوا مِن عبادة الأصنام ومِن المشركين، ذلك مع أنّهم لم تكن عندهم آية واحدة من آيات كتاب الله! كما سيتبيّن كلُّ ذلك في فصل خاصٍّ فيه ذكرُ خبرِ هذا الرجل الصالح، رحمه الله ورضي الله عنه.

ثمَّ يتبيّن مِن كلامه المذكور معنى كلمة الإسلام في لغة العرب، خاصّةً لأنّ هذا الشعر قيل قبل زمن الإسلام.

Send this to a friend