(باب) بَيانُ أصلِ لفظِ الإسلامِ فِي اللُّغةِ وَوُرُودُه فِي القُرآن

تنبيه: تحميل الكتاب كاملا على صيغة pdf مِن أسفَلِ هذه الصفحة)

(باب) بَيانُ أصلِ لفظِ الإسلامِ فِي اللُّغةِ وَوُرُودُه فِي القُرآن

 

فصل: مَعنَى (سَلِمَ) الَّذي هُوَ أصْلُ لَفْظِ الإْسلامِ في اللُّغَة

الإسلام مصدر [1] الفِعْل أَسْلَمَ. وهذا الفعل مأخوذ [2] من الجِذر (سَلِمَ).

يتلخّص ما يُذكر في المعاجم في معنى سَلِمَ كما يلي:

  • سلِم مِن الآفاتِ والعيوبِ يَسْلَمُ سَلاماً وسَلامَةً، أي: بَرِئَ.
  • والسَلامُ والسَلامَةُ: البَراءَةُ، والسَّلامُ في الأَصل: السَّلامةُ، ومنه قيل لِلجنَّةِ دارُ السَّلامِ، لأَنّها دارُ السَّلامةِ مِنَ الآفات.
  • سَلِمَ له كذا أي خَلَصَ فهو سَالِمٌ وسَلِيمٌ.

فصل: اِسْتِعْمالُ (سَلِمَ) فِي القُرآنِ ومَثَلُ المُسْلمِ والمُشْرِكِ

وَرَدَ في القرآن (سَلَمٌ) الذي هو مصدرُ (سَلِمَ). قال تعالى:

﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر: 29)

وقال الطبريّ:

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 29] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مَثَّلَ اللَّهُ مَثَلًا لِلْكَافِرِ بِاللَّهِ الَّذِي يَعْبُدُ آلِهَةً شَتَّى، وَيُطِيعُ جَمَاعَةً مِنَ الشَّيَاطِينِ، وَالْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يَعْبُدُ إِلَّا اللَّهَ الْوَاحِدَ،

يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِهَذَا الْكَافِرِ رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ يَقُولُ: هُوَ بَيْنَ جَمَاعَةٍ مَالِكِينَ مُتَشَاكِسِينَ، يَعْنِي مُخْتَلِفِينَ مُتَنَازِعِينَ، سَيِّئَةٌ أَخْلَاقُهُمْ، مِنْ قَوْلِهِمْ: رَجُلٌ شَكِسٌ: إِذَا كَانَ سَيِّئَ الْخُلُقِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَسْتَخْدِمُهُ بِقَدْرِ نَصِيبِهِ وَمُلْكِهِ فِيهِ،

﴿وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾، يَقُولُ: وَرَجُلًا خلُوصًا لِرَجُلٍ يَعْنِي الْمُؤْمِنَ الْمُوَحِّدَ الَّذِي أَخْلَصَ عِبَادَتَهُ لِلَّهِ، لَا يَعْبُدُ غَيْرَهُ وَلَا يَدِينُ لِشَيْءٍ سِوَاهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ

وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: {وَرَجُلًا سَلَمًا} [الزمر: 29] فَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ قُرَّاءِ أَهْلِ مَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ: (وَرَجُلًا سَالِمًا) وَتَأَوَّلُوهُ بِمَعْنَى: رَجُلًا خَالِصًا لِرَجُلٍ، وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ …

… عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ” أَنَّهُ قَرَأَهَا: «سَالِمًا لِرَجُلٍ» يَعْنِي بِالْأَلِفِ، وَقَالَ: «لَيْسَ فِيهِ لِأَحَدٍ شَيْءٌ»

وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ: {وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ} [الزمر: 29] بِمَعْنَى: صُلْحًا وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ، قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عُلَمَاءُ مِنَ الْقُرَّاءِ، مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ؛

وَذَلِكَ أَنَّ السَّلَمَ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: سَلِمَ فُلَانٌ لِلَّهِ سَلَمًا بِمَعْنَى: خَلَصَ لَهُ خُلُوصًا

الطبريّ يذكر هنا صراحةً أنّ الرجل الأوَّل في المثَل مسلمٌ موحِّدٌ طهَّر جميعَ أعمالِه مِن الشرك، ليس له إله آخرُ ولا شريك.

وهذا معنًى ظاهرٌ حتّى عند متأخِّري أهل اللغة مثل ابن منظور، قال في هذه الآية في لسان العرب في مادَّة (سلم):

﴿ورجلاً سَلَماً لرجل﴾: وقُرئ ﴿ورجلاً سالِماً لرجل﴾ … والمعنى أَنّ مَن وحَّدَ اللَّه مَثَلُه مَثَلُ السالم لرجلٍ لا يَشْرَكُه فيه غيرُه ومَثَلُ الذي أَشرَك اللَّهَ مَثَلُ صاحبِ الشُّرَكاءِ المتشاكسِينَ.

فالله تعالى يضرب مثلاً للمسلم والمشرك مبيِّناً لِلفرق بينَهما، ثمّ يؤكِّد هذا الفرق بقوله ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ﴾.

وجاء بيانُ معنى الآية وَفق بيان الطبريّ السابق عن بعض السلف، كما روى الطبريُّ نفسُه في التفسير عند هذه الآية:

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ} [الزمر: 29]

قَالَ: ” أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ الَّذِي فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ كُلُّهُمْ سَيِّئُ الْخُلُقِ، لَيْسَ مِنْهُمْ وَاحِدٌ إِلَّا تَلْقَاهُ آخِذًا بِطَرَفٍ مِنْ مَالٍ لِاسْتِخْدَامِهِ أَسْوَاؤُهُمْ، وَالَّذِي لَا يَمْلِكُهُ إِلَّا وَاحِدٌ،

فَإِنَّمَا هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الْآلِهَةَ، وَجَعَلُوا لَهَا فِي أَعْنَاقِهِمْ حُقُوقًا، فَضَرَبَهُ اللَّهُ مَثَلًا لَهُمْ، وَلِلَّذِي يَعْبُدُهُ وَحْدَهُ {هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 29] وَفِي قَوْلِهِ: «وَرَجُلًا سَالِمًا لِرَجُلٍ» يَقُولُ: لَيْسَ مَعَهُ شِرْكٌ

وابن زيد هذا هو عبد الرحمن بن زيد بن أسلم رحمه الله تعالى، الذي اشتهر بحسن قوله ودقّة فهمِه في تأويل كتاب الله تعالى.

ثم قال الطبري:

﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَمَا يَسْتَوِي هَذَا الْمُشْتَرَكُ فِيهِ، وَالَّذِي هُوَ مُنْفَرِدٌ مُلْكُهُ لِوَاحِدٍ، بَلْ أَكْثَرُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُمَا لَا يَسْتَوِيَانِ، فَهُمْ بِجَهْلِهِمْ بِذَلِكَ يَعْبُدُونَ آلِهَةً شَتَّى مِنْ دُونِ اللَّهِ.

وفي كلامه هذا أوضح بيان أنّ عامّةَ أهل الشرك إنّما يُشركون بالله لجهلهم بحقيقة فِعْلِهم وعِظَم قُبحه، ولم يَجعلْهم بِجهلهم هذا مسلمين معذورين في شيء، مع انتسابهم لِدينِ إبراهيم الذي هو الإسلام العامّ في حقيقته وأصلِه.

 

فصل: ما يَلزَمُ المُخالِفَ فِي هَذِهِ الآيَةِ

قد بيّن الله تعالى أنّ المسلم والمشرك ضدّان، وذكر الفارق بينهما وهو فعل الشرك [3]. المسلم يتّصف بالإخلاص بخلاف المشرك. إضافةً إلى ذلك ذُكر في الآية أنّ أكثر المشركين لا يعلمون حقيقةَ حالِهم، كما سبق.

فالذين يجوِّزون وجود (مسلمٍ مشركٍ) بِحجَّةِ أنّه معذور بجهله بالإسلام، لا بدّ لهم من مخالفة الآية صراحةً كما يلي:

  • على قولهم لا يمكن أن يَشمل هذا المثَلُ المشركَ الجاهل، بينما يجعله الله تعالى منه بوضوح. المشرك – علِم أم جهِل – لا يعبد الله وحده، فلا يمكن أن يكون مسلماً مخلصاً لله.
  • أكثر المشركين يجهلون هذه الحقيقة ويقعون في الشرك بسبب هذا الجهل، كما بيّنه الطبري، لكنّ هؤلاء المشركين الجهّال يجب على هذا القول الباطل أن يصِيروا بجهلهم مسلمين.
  • قولهم يقتضي أن لا يكون هناك فرقٌ بينَ المشرك الجاهل والمسلم وأنّهما يستويان، مع أنّ الله تعالى يصرّح في الآية أنّ مِثل هذا المشرك تماماً ليس مسلماً حتماً، بل أنّه ضدّ المسلم.
  • ثم يَجب عليهم تخطئة جميع من سلف من أهل العلم، لأنّ قولهم لا يحتمل معنًى آخر، فلا يمكن أنّهم تصوّروا وجود أناس هم مشركون ومسلمون في آنٍ واحدٍ، بل من قرأ كلامهم علِم أنّ مثلَ هذا لم يخطُر على بالهم أصلاً.

وهذا يبيِّن أنَّ كونَ التوحيد أساسَ دين الإسلام وكونَ الإسلام يستحيل تَحقُّقُهُ مع وجودِ الشرك، كان عند المتقدِّمينَ مِن أوضح الأمور. حتَّى أهل البدعة ما خطر بِبالهم أن يجعلوا مشركاً ما مسلماً.

وبهذا تكُون الآية حجَّةً قاطعةً في هذا الأمر.

 

——

[1] يقول النحويّون المصدر هو اسم فيه معنى الفعل مع عدم دلالته على زمن معيّن.

[2] أي مُشتقٌّ، بغضِّ النظَر عن مسألةِ أصلِ الاشتقاق في اللُّغة وهل المصدر هو الأصل أم الفعل، المسألة الّتي حصل فيها نقاشٌ بينَ الكوفيِّين والبصريِّين.

[3] معلوم أنّ الأحكام لا يمكن أن تعلَّق بالباطن، إذ ليس في مقدور البشر معرفة ما في باطن الإنسان لذا لسنا مأمورين بشقّ بطونهم، وعلماء السلف قد نبّهوا إلى ذلك مراراً، ومن ذلك قول الشافعيِّ رحمه الله تعالى في كتابه الأُمّ:

وَأَحْكَامُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ تَدُلُّ عَلَى أَنْ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْكُمَ عَلَى أَحَدٍ إلَّا بِظَاهِرٍ، وَالظَّاهِرُ مَا أَقَرَّ بِهِ أَوْ مَا قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ تُثْبِتُ عَلَيْهِ، فَالْحُجَّةُ فِيمَا وَصَفْنَا مِنْ الْمُنَافِقِينَ وَفِي الرَّجُلِ الَّذِي اسْتَفْتَى فِيهِ الْمِقْدَادُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ قَطَعَ يَدَهُ عَلَى الشِّرْكِ، وَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ (فَهَلَّا كَشَفْت عَنْ قَلْبِهِ؟) يَعْنِي أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَك إلَّا ظَاهِرُهُ.

وبناءً عليه يُتصوَّر أنّ شخصاً ما يُعتبر مسلماً في الظاهر مع أنّه لم يفهم التوحيد في نفس الأمر ويفعل الشرك جهلاً، لكن ما لم يُرَ هذا منه لم يُمكن أن يُحكَم عليه به، فيَبقى مسلماً في الظاهر. وهو بهذا الاعتبارِ كَالمُنافقِ  الذي لم يَقبل الإسلام في باطنِه مع إظهاره له، والمنافق الخالص يُعتبر مسلماً في الظاهر حتى يُثبِت الدَّليل خلافَ ذلك.

Send this to a friend