(باب) مَعْنَى الإلهِ وَمَعْنَى شَهادَةِ الإسْلام

تنبيه: تحميل الكتاب كاملا على صيغة pdf مِن أسفَلِ هذه الصفحة)

(باب) مَعْنَى الإلهِ وَمَعْنَى شَهادَةِ الإسْلام

فصل: فِي مَعْنَى الإلهِ وشَهادةِ الإسْلامِ وأنَّ مُشْرِكِي قُريشٍ كانُوا أَعْلَمَ بِه مِن كثيرٍ مِنَ المنتسبينَ إلى الإسلامِ اليَوْمَ

معنى لا إله إلّا الله هو (لا معبود حقّ إلا الله) [1]، لأنّ الإله هو المعبود.

جاء في تفسير الطبري قوله في بيان معنى الإله في لغة العرب:

وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِ اللَّهِ: «اللَّهِ» ، فَإِنَّهُ عَلَى مَعْنَى مَا رُوِيَ لَنَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ: هُوَ الَّذِي يَأْلَهُهُ كُلُّ شَيْءٍ، وَيَعْبُدُهُ كُلُّ خَلْقٍ.

وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا كُرَيْبٍ حَدَّثَنَا قَالُ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَوْقٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «اللَّهُ ذُو الْأُلُوهِيَّةِ وَالْمَعْبُودِيَّةِ عَلَى خَلْقِهِ أَجْمَعِينَ»

فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: فَهَلْ لِذَلِكَ فِي فَعَلَ وَيَفْعَلُ أَصْلٌ كَانَ مِنْهُ بِنَاءُ هَذَا الِاسْمِ؟ قِيلَ: أَمَّا سَمَاعًا مِنَ الْعَرَبِ فَلَا، وَلَكِنِ اسْتِدْلَالًا. فَإِنْ قَالَ: وَمَا دَلَّ عَلَى أَنَّ الْأُلُوهِيَّةَ هِيَ الْعِبَادَةُ، وَأَنَّ الْإِلَهَ هُوَ الْمَعْبُودُ، وَأَنَّ لَهُ أَصْلًا فِي فَعَلَ وَيَفْعَلُ؟ قِيلَ: لَا تَمَانُعَ بَيْنَ الْعَرَبِ فِي الْحُكْمِ لِقَوْلِ الْقَائِلِ يَصِفُ رَجُلًا بِعِبَادَةٍ وَيَطْلُبُ مِمَّا عِنْدَ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: تَأَلَّهَ فُلَانٌ بِالصِّحَّةِ وَلَا خِلَافَ. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ رُؤْبَةَ بْنِ الْعَجَّاجِ:

لِلَّهِ دَرُّ الْغَانِيَاتِ الْمُدَّهِ … سَبَّحْنَ وَاسْتَرْجَعْنَ مِنْ تَأَلُّهِي

يَعْنِي: مِنْ تَعَبُّدِي وَطَلَبِي اللَّهَ بِعَمَلٍ. وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّأَلُّهَ التَّفَعُّلْ مِنْ: أَلَهَ يَأْلَهُ، وَأَنَّ مَعْنَى أَلَهَ إِذَا نُطِقَ بِهِ: عَبَدَ اللَّهَ.

وَقَدْ جَاءَ مِنْهُ مَصْدَرٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَرَبَ قَدْ نَطَقَتْ مِنْهُ بِفَعَلَ يَفْعُلُ بِغَيْرِ زِيَادَةٍ وَذَلِكَ مَا حَدَّثَنَا بِهِ، سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ، قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ نَافِعِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَ: (وَيَذَرَكَ وَإِلَاهَتَكَ) قَالَ: عِبَادَتَكَ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ يُعْبَدُ وَلَا يَعْبُدُ”

وَحَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (وَيَذَرَكَ وَإِلَاهَتَكَ) قَالَ: «إِنَّمَا كَانَ فِرْعَوْنُ يُعْبَدُ وَلَا يَعْبُدُ. وَكَذَلِكَ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَقْرَؤُهَا وَمُجَاهِدٌ»

وَحَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ دَاوُدَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلَهُ: (وَيَذَرَكَ وَإِلَاهَتَكَ) قَالَ: «وَعِبَادَتَكَ» وَلَا شَكَّ أَنَّ الْإِلَاهَةَ عَلَى مَا فَسَّرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ أَلَهَ اللَّهَ فُلَانٌ إِلَاهَةً، كَمَا يُقَالُ: عَبَدَ اللَّهَ فُلَانٌ عِبَادَةً، وَعَبَرَ الرُّؤْيَا عِبَارَةً. فَقَدْ بَيَّنَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ هَذَا أَنَّ أَلَهَ: عَبَدَ، وَأَنَّ الْإِلَاهَةَ مَصْدَرُهُ.

وقد أساء كثير من الناس فهم معنى الإله والشهادة، وإنّما ذلك لكثرة انشغالهم بالفلسفة المذمومة عن فهم كتاب الله وسنَّة رسول الله ﷺ على مراد الله وعن أقوال سلف هذه الأمة، وقد رأيتَ ما رُوِي عن الصحابة رضي الله عنهم وسيأتي مزيد.

وحتى مَن كان قليل الفهم والتتبّع لمعاني ألفاظ القرآن يعلمُ أنّ معنى الإله هو المعبود وليس الخالق أو القادر على الاختراع فقط كما ظنّه هؤلاء، والأمثلة الآتية تبيِّن هذا.

 

فصل: أَمْرُ الأنبياءِ أقْوامَهم بِتَوحِيدِ العِبادةِ وَفَهْمُ المُشْرِكينَ لِهذا الخِطاب

  • قال تعالى:

﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5)﴾ (ص)

هذا قول المشركين، وليس قصدهم أنّ محمّداً جعل الخالقِين خالقاً واحداً.

قال الطبري مبيّناً:

يَقُولُ: وَقَالَ هَؤُلَاءِ الْكَافِرُونَ الَّذِينَ قَالُوا: مُحَمَّدٌ سَاحِرٌ كَذَّابٌ: أَجْعَلَ مُحَمَّدٌ الْمَعْبُودَاتِ كُلَّهَا وَاحِدًا، يَسْمَعُ دُعَاءَنَا جَمِيعَنَا، وَيَعْلَمُ عِبَادَةَ كُلِّ عَابِدٍ عَبَدَهُ مِنَّا {إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص: 5] أَيْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ …

  • ومثله في قوله تعالى:

﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138)﴾ (الأعراف)

  • وكلّ المرسَلين قالوا لأقوامهم ما حكاه الله في سورة الأعراف:

﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (الأعراف: 59 و65 و73 و85، وهود: 50 و61 و84، والمؤمنون: 23 و32)

أمروهم بعبادة الله وحده وبيّنوا لهم أنّه لا معبود بحقّ غيره.

  • فأجابوا: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ (الأعراف: 70)

أي: هم فهموا من لفظ الإله أنّه المعبود. والقرآن مليء بمثل هذا.

قال الطبري في معنى الآية:

يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَتْ عَادٌ لِهُودٍ: أَجِئْتَنَا تَتَوَعَّدَنَا بِالْعِقَابِ مِنَ اللَّهِ عَلَى مَا نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ كَيْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَدِينَ لَهُ بِالطَّاعَةِ خَالِصًا وَنَهْجُرَ عِبَادَةَ الْآلِهَةِ وَالْأَصْنَامِ الَّتِي كَانَ آبَاؤُنَا يَعْبُدُونَهَا وَنَتَبَرَّأَ مِنْهَا؟ فَلَسْنَا فَاعِلِي ذَلِكَ وَلَا مُتَّبِعِيكَ عَلَى مَا تَدْعُونَا إِلَيْهِ، فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا مِنَ الْعِقَابِ وَالْعَذَابِ عَلَى تَرْكِنَا إِخْلَاصَ التَّوْحِيدِ لِلَّهِ، وَعِبَادَتِنَا مَا نَعْبُدُ مِنْ دُونِهِ مِنَ الْأَوْثَانِ إِنْ كُنْتَ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ عَلَى مَا تَقُولُ وَتَعِدُ

وسيأتي مزيدُ بيانٍ حول هذه الآية لاحقاً إن شاء الله تعالى.

وذكَر البخاريُّ في كتابه خَلقُ أفعالِ العِباد – ورَواه غيرُ واحدٍ مِن الأئمَّةِ في مصنَّفاتِهم، منهم الترمذيُّ والطبرانيُّ في الدعاء وغيرِه والبزَّارُ في مُسنَدِه – قال:

وَقَالَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَبِي: «كَمْ تَعْبُدُ الْيَوْمَ إِلَهًا؟» قَالَ: سَبْعَةٌ، سِتَّةٌ فِي الْأَرْضِ وَوَاحِدٌ فِي السَّمَاءِ، قَالَ: «فأَيُّهُمْ تَعُدُّ لِرَغْبَتِكَ وَلِرَهْبَتِكَ؟» قَالَ: الَّذِي فِي السَّمَاءِ، قَالَ: «أَمَا إِنَّكَ إِنْ أَسْلَمْتَ عَلَّمْتُكَ كَلِمَتَيْنِ يَنْفَعَانِكَ» ، فَلَمَّا أَسْلَمَ الْحُصَيْنُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِّمْنِي الْكَلِمَتَيْنِ اللَّتَيْنِ وَعَدْتَنِي، قَالَ: «اللَّهُمَّ أَلْهِمْنِي رُشْدِي , وَأَعِذْنِي مِنْ شَرِّ نَفْسِي»

فتبيَّن أنّ المشركين من العرب فهموا معنى الشهادة تمام الفهم، لأنّهم تعجّبوا من محمّد ﷺ أنّه جعل الآلهة المعبودة عندهم معبوداً واحداً، وهذا يدلّ قطعاً على أنّهم فهموا ما خاطبهم به النبيّ ﷺ، فعلِموا معنى لا إله إلّا الله.

وهناك بعض أهل الجهل في هذا العصر أمثال إخوانِهم الذين مضوا مِن قَبلهم ينكرون كون لفظ الإله بمعنى المعبود، مستدلِّين بأهوائهم، يقصدون من وراء ذلك إبطال حقيقة التوحيد وإدخال جميع من تلفَّظ بلا إله إلا الله في الإسلام، مَهْما عظْم شركُهم وطمَّ كفرهم.

وكلامهم مليء بالجهل والضلال، ولولا أنَّ كِبْرهم منَعهم مِن النظر في ما قاله أهل العلم في القرون الأولى، علموا أنَّ هؤلاء بيَّنوا معنى لفظ الإله كثيراً في كلامهم.

مِن ذلك ما ينقله أهل التفسير في عدَّةِ مواضعَ من كلامهم ممَّا لا يترك شكّاً أنّهم قرَّروا المعنى كما ذكرتُه فوق، وهو أنّ المشركين مِن العرب كانوا يعرفون أنّ الله خالقهم ورازقهم ونحو ذلك. فالنَّبيُّ ﷺ لم يأتهم بشهادة ألا إله إلا الله ليعلِّمهم ذلك، إذ قد علموه من قبل.

إنَّما المراد أن يتركوا شركهم في العبادة والطاعة. وليس معنى ذلك أنَّ مشركي العرب لم يقعوا في الإشراك بالله في ربوبيَّته، بل حصل ذلك من كثير منهم في جوانبَ مختلفةٍ من الربوبيَّة، كما بيَّنه الله في القرآن في مواضع، ولكنَّ هذا لا يبطل أنّ ما جاء به النبيُّ ﷺ هو الأمرُ بعبادة الله وحدَه والنهيُ عن الشرك في العبادة، وهذا ما لا يفهمه الزائغون، هداهم الله.

وسيأتي بعض ما نبَّهتُ إليه مِن كلام السلف فيما يلي.

 

فصل: أَقوالُ السَّلفِ فِي قَولِه تَعالى ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وهُوَ أَوَّلُ نَهْيٍ فِي القُرْآن

قال الله تعالى في سورة البقرة:

﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22)

روى ابن أبي حاتم في التفسير – وبمثله رواه الطبري – قال:

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 22]  أَيْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ غَيْرَهُ مِنَ الأَنْدَادِ الَّتِي لَا تَنْفَعُ وَلا تَضُرُّ، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَا رَبَّ لَكُمْ يَرْزُقُكُمْ غَيْرُهُ، وَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِي يَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ الرَّسُولُ مِنْ تَوْحِيدِهِ هُوَ الْحَقُّ لَا يُشَكُّ فِيهِ.

فهذا الخبر وحده يكفي في إبطال هذا الضلال المذكور، ومثله عن ابن أبي حاتم ما يلي:

عَنْ قَتَادَةَ: {فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أَنَّ اللَّهَ خَلَقَكُمْ وَخَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، ثُمَّ أَنْتُمْ تَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا.

فالأمر بيَّنه السلف وفيه الكفاية. ولا شكَّ عند عاقل إن بيَّنوا ذلك بمثل هذا الوضوح أنَّه لا بد أن ينتقل المعنى إلى من يأخذ عنهم، ولِتَبْيينِ هذا سأذكرُ طرفاً مِن قول الطبريِّ في هذا الأمر. قال الطبري:

• فَكَأَنَّهُ قَالَ: اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الْخَالِقَكُمْ، وَالْخَالِقَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ، الْجَاعِلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا.

• فَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ الَّذِيَ خَلَقَهُمَا وَخَلَقَ جَمِيعَ مَا فِيهِمَا وَمَا هُمْ فِيهِ مِنَ النِّعَمِ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ عَلَيْهِمُ الطَّاعَةَ وَالْمُسْتَوْجِبُ مِنْهُمُ الشُّكْرَ وَالْعِبَادَةَ دُونَ الْأَصْنَامِ وَالْأَوْثَانِ الَّتِي لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ …

• فَنَهَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَأَنَ يَعْبُدُوا غَيْرَهُ، أَوْ يَتَّخِذُوا لَهُ نِدًّا وَعَدْلًا فِي الطَّاعَةِ، فَقَالَ: كَمَا لَا شَرِيكَ لِي فِي خَلْقِكُمْ وَفِي رِزْقِكُمُ الَّذِي أَرْزُقُكُمْ، وَمُلْكِي إِيَّاكُمْ، وَنِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُهَا عَلَيْكُمْ، فَكَذَلِكَ فَأَفْرِدُوا لِيَ الطَّاعَةَ، وَأَخْلِصُوا لِيَ الْعِبَادَةَ، وَلَا تَجْعَلُوا لِي شَرِيكًا وَنِدًّا مِنْ خَلْقِي، فَإِنَّكُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ كُلَّ نِعْمَةٍ عَلَيْكُمْ مِنِّي

• وَلَكِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ أَخْبَرَ فِي كِتَابِهِ عَنْهَا [2] أَنَّهَا كَانَتْ تُقِرُّ بِوَحْدَانِيَّةٍ، غَيْرَ أَنَّهَا كَانَتْ تُشْرِكُ فِي عِبَادَتِهِ مَا كَانَتْ تُشْرِكُ فِيهَا، فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [الزخرف: 87] ، وَقَالَ: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ} [يونس: 31].

فَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 22] إِذْ كَانَ مَا كَانَ عِنْدَ الْعَرَبِ مِنَ الْعِلْمِ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ، وَأَنَّهُ مُبْدِعُ الْخَلْقِ وَخَالِقُهُمْ وَرَازِقُهُمْ، نَظِيرَ الَّذِي كَانَ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ. وَلَمْ يَكُنْ فِي الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنَى بِقَوْلِهِ: {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 22] أَحَدَ الْحِزْبَيْنِ، بَلْ مَخْرَجُ الْخِطَابِ بِذَلِكَ عَامٌّ لِلنَّاسِ كَافَّةً لَهُمْ، لِأَنَّهُ تَحَدَّى النَّاسَ كُلَّهُمْ بِقَوْلِهِ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} [البقرة: 21] أَنْ يَكُونَ تَأْوِيلُهُ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ، مِنْ أَنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ كُلَّ مُكَلَّفٍ عَالِمٍ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ، وَأَنَّهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي خَلْقِهِ يُشْرِكُ مَعَهُ فِي عِبَادَتِهِ غَيْرَهُ، كَائِنًا مَنْ كَانَ مِنَ النَّاسِ

هذا كلامه في آية واحدة فحسب! فاعجب من ضلال من يزعمون شيئاً آخر، وانظر إلى غَفْلتِهم عن كلِّ هذه النصوص، وإن علِموا فانظر إلى شدَّة تكبُّرهم وتعالِيهم على من عرَف أحوال العرَب في ذلك الزمان لأنَّه كان مِنهم وعاش في زمانهم! فهل الصحابة أدرى أم ضُلَّالُ هذا العصر؟!

وجاء في تفسير مقاتل بن سليمان المتوفّى سنة 150 من الهجرة:

قوله: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ} يعني أهل مكّة: كفّارهم {لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} وذلك أنه لمّا نزلت في أوّل هذه السورة خلق السموات والأرض نزلت في آخرها {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ}

فقال لهم النبيُّ ﷺ: من خلقكم ورزقكم وخلق السموات والأرض؟ فقالوا: الله خالق الأشياء كلّها، وهو خلقنا.

قال الله تعالى لنبيِّه ﷺ قل لهم: {فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} يقول مِن أين يكذبون بأنَّه واحد لا شريك له، وأنتم مقرّون أنّ الله خالق الأشياء وخلقكم، ولم يشاركه أحد في ملكه فيما خلق؟ فكيف تعبدون غيره؟

 

فصل: قَولُ اللهِ تَعالى ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾

  • قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (117)﴾ (سورة المؤمنون)

جاء في تفسير يحيى بن سلام (المتوفّى 200هـ) الذي يُذكر عنه أنّه لقي نحوَ عشرين من التّابعين وروَى عنهم :

وَكَانَ قَتَادَةُ يَقُولُ: لا بَيِّنَةَ لَهُ بِهِ بِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَهُ أَنْ يَعْبُدَ إِلَهًا مِنْ دُونِهِ.

وقال الطبري هنا:

يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ الْمَعْبُودِ الَّذِي لَا تَصْلُحُ الْعِبَادَةُ إِلَّا لَهُ مَعْبُودًا آخَرَ، لَا حُجَّةَ لَهُ بِمَا يَقُولُ وَيَعْمَلُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا بَيِّنَةَ

 

فصل: قَولُه تعالى ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾

قال تعالى في سورة الزمر:

﴿بسم الله الرحمن الرحيم
تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (1) إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (2) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (3)

العرب أرادت الشفاعة من أوثانهم، وهذا كان عبادةً لهذه الأوثان، فكان منافياً لإخلاص العبادة لله تعالى، ولهذا كانوا مُشركين.

ومِن أهل الجهل في هذا الزمان من يتلاعب بهذه الآية على فهمه هو، على عادة من ضلَّ عن التفسير المأثور عن السلف، ولكنَّ السلف أعلمُ منهم بلا شكّ.

فجاء في تفسير الآية عند الطبري ما يلي:

• عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3] قَالَ: «قُرَيْشٌ تَقُولُهُ لِلْأَوْثَانِ، وَمَنْ قَبْلَهُمْ يَقُولُهُ لِلْمَلَائِكَةِ وَلِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَلِعُزَيْرٍ»

• عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3] قَالُوا: «مَا نَعْبُدُ هَؤُلَاءِ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا، إِلَّا لِيَشْفَعُوا لَنَا عِنْدَ اللَّهِ»

• عَنِ السُّدِّيِّ، فِي قَوْلِهِ: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3] قَالَ: هِيَ مَنْزِلَةٌ

• قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3] قَالَ: “قَالُوا هُمْ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ، وَهُمُ الَّذِينَ يُقَرِّبُونَنَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِلْأَوْثَانِ، وَالزُّلْفَى: الْقُرْبُ”

فلو قال رجل واحد من هؤلاء المفسِّرين مِن السلف هذا القول لا يشكُّ عاقل أنّه أعلمُ بشرك العرب وحقيقةِ حالهم لِقربِه منهم في الزمن واطِّلاعه على أخبارهم. فكيف إذا رُوي هذا عن جَماهيرِهم؟ أَوَ بعدَ كلِّ هذا نلتفتُ إلى أيِّ فيلسوف كبير متزندق يخرج في هذه الأزمنة المتأخِّرة التي يغرَق الناس فيها في الجهل والضلال؟ أين تذهب عقولهم؟

وقال الطبري في معنى الآية:

وَقَوْلُهُ: {إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [الزمر: 3] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَ هَؤُلَاءِ الْأَحْزَابِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا فِي الدُّنْيَا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ فِي الدُّنْيَا مِنْ عِبَادَتِهِمْ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ فِيهَا، بِأَنْ يُصْلِيهِمْ جَمِيعًا جَهَنَّمَ، إِلَّا مَنْ أَخْلَصَ الدِّينَ لِلَّهِ، فَوَحَّدَهُ، وَلَمْ يُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا

 

فصل: التَّنْبِيهُ إِلى الأَصلِ المُهِمِّ  فِي الشَّرْعِ واللُّغَةِ أنَّ الشَّيءَ يُسَمَّى بِأهَمِّ ما فِيه

قد رأيتَ أنّ الإسلام هو الاستسلام لله تعالى وإخلاص العبادة له، وستأتي نصوص كثيرة تثبت هذا وترسِّخه. وعلى نحوه ستأتي تسمية الإسلام بالحنيفيَّة وغير ذلك من العبارات.

فيحسن هنا تقديم أصلٍ مهمٍّ يبيِّن أنَّ الشيءَ في الشرع وفي لغة العرب يسمَّى ويوصفُ بأهمِّ أجزاءه وأعظم ما فيه. وكثيراً ما يَحصل ذلك بألفاظ متعدِّدةٍ ترجع إلى أصلٍ واحد في المعنى، وهذه العبارات والألفاظ عندئذٍ متداخلةٌ في المعنى يشدُّ بعضُها بعضاً.

ومثال ذلك قولُ النبيِّ ﷺ عند الترمذيِّ وعند كثيرٍ مِن الأئمَّة:

عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمَرَ، أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِعَرَفَةَ فَسَأَلُوهُ، فَأَمَرَ مُنَادِيًا، فَنَادَى: «الحَجُّ عَرَفَةُ …

ومعناه أنَّ الوقوف بِعرفةَ هو الركن الأعظم في الحجّ ومَن فاته الوقوف فاته الحجّ.

وعند مسلم:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ» ثَلَاثًا غَيْرُ تَمَامٍ. فَقِيلَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّا نَكُونُ وَرَاءَ الْإِمَامِ؟ فَقَالَ: «اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِكَ»؛ فإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: “قَالَ اللهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2]، قَالَ اللهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: 3]، قَالَ اللهُ تَعَالَى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}، قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي – وَقَالَ مَرَّةً فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي – فَإِذَا قَالَ: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7] قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ”

سمّى الله تعالى هنا الفاتحة بالصَّلاة لمّا قال (قَسَمْتُ الصَّلَاةَ) ثمَّ بيَّن كيف قِسمة سورة الفاتحة في الصلاة، ذلك لأنها أعظم ركن في الصلاة.

وفي آية البقرة سمَّى الصَّلاة إيماناً، واستدلَّ أئِمَّة السنَّة بها على أنَّ الأعمال من الإيمان، إذ سُمِّيَت الصَّلاة إيماناً وهي عمل:

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (143)

فسمَّى الصّلاة إيماناً لأنَّها أعظمُ عملٍ في الإيمان بعدَ أساسِه الذي هو التوحيد والإخلاص.

قال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه الإيمان:

{وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيم} [البقرة:143].

وَإِنَّمَا نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ تُوُفُّوا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهُمْ عَلَى الصَّلَاةِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فسُئل رسولُ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ.

فَأَيُّ شاهدٍ يُلتمس عَلَى أَنَّ الصلاةَ مِنَ الْإِيمَانِ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ؟

هذه أمثلة يذكرها أهل العلم في هذا المقام، والله تعالى أعلم.

فالشيء يسمَّى بأهمِّ أجزائه كما ظهر من الأمثلة المذكورة، وهو في تسميَة الإسلام أوضح.

ووَفْقَ ما قيل هنا جاء بيانُ معنى الإسلام في نصوص الشرع بأنّه الإخلاص، وإخلاص العبادة والطاعة لله، وإخلاص الدِّين لله، وإسلامُ الوجه لله تعالى، والحنِيفيَّة، والإيمان بالله والكفر بالطاغوت، وتوحيد العبادة، وعبادة الله وحده لا شريك له، وملَّة إبراهيم.

فكلُّ هذا يدلُّ على أهمِّ معنًى في الإسلام وعلى الأساس الذي بُنِيَ عليه، والعبارات متداخلةٌ كلُّ عبارةٍ تدلُّ على هذا المعنى من جانب. وهذه طريقة النبيِّ ﷺ والصحابة رضي الله عنهم وأئمّة السلف من بعدهم رحمهم الله في تقرير أمور الدين.

 

فصل: مَن يَقولُ إنَّ العِبادةَ لا تَكُونُ شِركاً حتَّى يُشرِكَ في الرُّبُوبِيَّةِ

وهناك من يريد أن يتلاعب بمعنى الشهادة من جهة أنَّه يزعم أنّ العبادة عندما تُذكر في الكتاب والسُّنَّة ليست مقصودةً بذاتها، فمَن عبد غير الله عبادةً ظاهرةً ليس فعلُه شركاً بالله حتَّى يكونَ مقروناً بالإشراك في الربوبيِّة، حَسَبَ زعمِ ذلك القَوم.

فاعجب بعدَ ما رأيتَ مِن البيان مِن قولهم هذا ومِن جهل هؤلاء، إذ كيف يَدَّعي عاقل أنَّ الله أراد شيئاً ثمَّ سمّاه بما ليس مُهِمّاً فيه وبما لا تأثيرَ له في نفس الأمر؟!

فأوَّلُ أمرٍ في كتاب الله هو الأمر بالعبادة، قال تعالى:

﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21)﴾ (البقرة)

فيأتي هؤلاء القوم موهمين أنَّ الله إنَّما أراد بذلك: (لا تشركوا بالله صاحبةً ولا ولداً).

وقال تعالى:

﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (40)﴾ (يوسف)

فمعناه على قولهم الزائغ مثلاً: (ما تنسبون إلى الله الولدَ ونحوَه إلا تسميَةً لا حقيقةَ لها، وأمَرَ اللهُ أن لا تنسبوا  له الولدَ ونحوَه)

ومثل ذلك في قوله تعالى:

﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (18)﴾ (يونس)

وفي سورة الزمر:

﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (11) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (12) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (13) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (14) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (15)

وقال النبيُّ ﷺ في رواية لحديث البخاريّ الذي سبق ذكره في أوَّل هذا الكتاب:

الإِسْلاَمُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمَ الصَّلاَةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ المَفْرُوضَةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ

فيلزم أن يكون معناه عند أهل الضلال هؤلاء: (الإسلام أن لا تنسب إلى الله الولد ونحوه وتجعله واحداً في الخلق والرزق ونحوهما).

والمواضع التي فيها ذكر الأمر بعبادة الله وحده والنهي عن الشرك فيها لا تنحصر عدداً كما يَعلم ضرورةً كلُّ مَن نظَر في نصوص هذا الدين، وعلى قولِ هؤلاء سمَّى الله تعالى في كلِّ هذه المواضع العبادةَ، مع كونِها لا تؤثِّر في حقيقة الأمر شيئاً! فمن عبَد غير الله يكونُ مسلماً مخلصاً لله تعالى عندَهم، ما لم تنضمَّ إلى فعله شيءٌ مِن اعتقادِ الولد الذي يتصرّف في الكون مستقلّاً عن الله تعالى ونحوه. لذلك تراهم كثيراً يشترطون استقلالَ المعبودِ في القدرة عن قدرة الله تعالى، فليس العابد عندهم مشركاً حتى يعتقدَ في معبودِه الاستقلالَ عن الله تعالى، بل يُنكرون كونَه عابداً أصلاً، فيقول مَن بلغ مبلغَه مِن الكِبر منهم إنَّه لا يسمَّى عابداً أصلاً حتى يعتقدَ استقلالَ المعبود.

كلُّ هذا مع دوَرانِ هذا الدِّين ونصوصِه حولَ لفظِ العبادةِ والنَهْيِ عن الإشراك فيها. أليس هذا من العجب العجاب؟

 

——

[1] أو (لا معبود بحقّ إلا الله) على تفصيل ما يذكره أهل العلم عند الكلام على إعراب الشهادة ومعناها المفصّل وتقدير المحذوف منها، لكنّ كلّ ذلك في معنى واحد.

[2] أي: عن العرب …

Send this to a friend