(باب) الشِّرْكُ يُحبِطُ جَمِيعَ الأَعْمال

تنبيه: تحميل الكتاب كاملا على صيغة pdf مِن أسفَلِ هذه الصفحة)

(باب) الشِّرْكُ يُحبِطُ جَمِيعَ الأَعْمال

إنّ الشرك الأكبر في عبادة الله تعالى يُحبط جميع الأعمال باتّفاق المسلمين. أمّا سائر الذنوب غير الشرك فإنّها قد تحبط بعض الأعمال لكنّها لا تحبط عمل الإنسان كلَّه. ومن يقول بإمكان إسلام بعض المشركين يخالف هذه الحقيقة، إذ أمكن على قوله أنّ بعض الناس يُوجد منهم الشرك الأكبر في العبادة ومع ذلك لا يَحْبَطُ إسلامُهم. ويأتي توضيح ذلك مِن كتاب الله تعالى وتفسير السَّلف له، كما يلي.

 

فصل: قَولُ اللهِ تَعالى عَن نَبِيِّنا ﷺ ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾

قال الله تعالى:

﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (65)﴾ (الزمر)

يقول الطبريّ في معنى الآية:

يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَقَدْ أَوْحَى إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ رَبُّكَ، وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ مِنَ الرُّسُلِ {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: 65] يَقُولُ: لَئِنْ أَشْرَكْتَ بِاللَّهِ شَيْئًا يَا مُحَمَّدُ، لَيَبْطُلَنَّ عَمَلُكَ، وَلَا تَنَالُ بِهِ ثَوَابًا، وَلَا تُدْرِكُ جَزَاءً إِلَّا جَزَاءَ مَنْ أَشْرَكَ بِاللَّهِ، وَهَذَا مِنَ الْمُؤَخَّرِ الَّذِي مَعْنَاهُ التَّقْدِيمُ؛

وَمَعْنَى الْكَلَامِ: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ، وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ، وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ، بِمَعْنَى: وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ مِنَ الرُّسُلِ مِنْ ذَلِكَ، مِثْلَ الَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْهُ، فَاحْذَرْ أَنْ تُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا فَتَهْلَكَ وَمَعْنَى قَوْلِهِ: {وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الزمر: 65] وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْهَالِكِينَ بِالْإِشْرَاكِ بِاللَّهِ إِنْ أَشْرَكْتَ بِهِ شَيْئًا

فالمخاطَب في هذه الآية هو النبيّ ﷺ مع أنّه كان معصوماً مِن الشرك، وذلك مما يُسمّى بفرض المستحيل، والمراد منه الإتيان بمثال في غاية الوضوح يمكن أن تُقاس عليه كلُّ الصور الأخرى التي دونَه. ومعناه أنّ المذكور في الآية ليس موجَّهاً إلى النَّبيِّ ﷺ أوَّلاً، بل هو تحذير وبيانٌ لعامَّة الناس الذين ليسوا معصومين من الشِّرك. ومعنى ما يخبرُنا الله تعالى به: (إن كان حتَّى النبيُّ يفقِد جميع أعماله بفعل واحدٍ من الشرك الأكبر ويكون من الخاسرين، فغيرُ النبيِّ أولى بحبوط جميع أعماله).

ولا بدَّ أن يُنتبه هنا إلى أنّ الأنبياء عليهم السلام أشدُّ الناس بلاءً، فأعمالهم خير الأعمال إطلاقاً. ثم محمّد ﷺ سيّد الأنبياء وخاتم المرسلين. من لم يَنتبه إلى هذه الأمور لا يفقَه حقيقة هذه الآية وقوَّة الحجَّة التي فيها تماماً.

كلُّ حياةِ محمّدٍ ﷺ مع ما فيها من الأعمال العظيمة مِن تحمُّل الرسالة الثقيلة ومشاقّ الدعوة إليها من عداوة قومه وإخراجه من بلده وقتال المشركين في سبيل الله وثباته في كلّ ذلك، لو أشرك هو في فعل واحد مع الله إلهاً آخر لَفقد جميع هذه الأعمال وخسر الدنيا والآخرة. والله تعالى يؤكّد هذين الأمرين من حبوط العمل وكونِه في هذه الحالة من الخاسرين بنون التَّوكيد الثقيلة.

فإذا كانت هذه حالة محمّد ﷺ لو فُرض أن تقع منه فِعلةُ شركٍ، فهل يبقى للمشركين قديماً وحديثاً شيءٌ من أعمالهم؟ بل أهل الشرك في كلّ زمان أولى ثمّ أولى بحبوط جميع أعمالهم، وإذا كان الأمر كذلك فَبِأيِّ عمل يَدخلون جنَّة المؤمنين كما يدَّعِي ذلك مَن يجعلُهم مؤمنين ومسلمين بِحجّة الجهل والانتساب؟

 

فصل: قَولُ اللهِ تَعالى عَن الأنْبِياءِ عليهم السلام ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾

ومِثل الآية التي سبق ذكرها هذه الآيات من سورة الأنعام:

﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (86) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (87) ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (88) أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (89) أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (90)﴾ (الأنعام)

روى ابن أبي حاتم في التفسير:

سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 90] وَقَرَأَ: {ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 88] يُرِيدُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَالَ هَدَيْنَاهُمْ وَفَضَّلْنَاهُمْ

وقال الطبري في هذه الآيات:

{وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 88] يَقُولُ: وَلَوْ أَشْرَكَ هَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاءُ الَّذِينَ سَمَّيْنَاهُمْ بِرَبِّهِمْ تَعَالَى ذِكْرُهُ، فَعَبَدُوا مَعَهُ غَيْرَهُ، {لَحَبِطَ عَنْهُمْ} [الأنعام: 88] يَقُولُ: لَبَطَلَ فَذَهَبَ عَنْهُمْ أَجْرُ أَعْمَالِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَعْمَلُونَ، لِأَنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مَعَ الشِّرْكِ بِهِ عَمَلًا

فهؤلاء هم المهتدون وعلينا أن نقتدي بهداهم، لكنّ الله تعالى يخبر أنّ هِدايتهم في ترك الشرك، أمّا لو فعلوا الشرك لحبِطتْ أعمالهم كغيرِهم مِن البشر، وفي تلك الحالة ما كانوا مهتدين بل كانوا ضالّين.

 

فصل: مُخالَفَةُ آياتٍ كَثِيرةٍ مِن القُرآنِ وأنَّ لَفْظَ المُشركينَ فِيهِ يَشمَلُ الجاهلَ مِنهم بِلا شَكّ

تسميَة المشرك مسلماً ومعاملتُه معاملةَ المسلمين تؤدِّي حتماً إلى مخالفاتٍ عدَّة لآياتِ القرآن، كما ظهَر في المثال السابق، وهناك أمثلةٌ كثيرةٌ في القرآن قدْ سبَق ذكرُ العديدِ منها، وأذكرُ آياتٍ أخرى مِن هذا القبيل مِن باب الإشارة:

قال تعالى:

﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (36)﴾ (النحل)

جاء في تفسير مقاتل بن سليمان:

{وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ} يعني أن وحِّدوا اللهَ {وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} يعني عبادة الأوثان {فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ} إلى دينه {وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ} يعني وجَبَت الضَّلالَةُ {فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ}

وقال الطبري في الآية:

يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَقَدْ بَعَثْنَا أَيُّهَا النَّاسُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ سَلَفَتْ قَبْلَكُمْ رَسُولًا كَمَا بَعَثَنَا فِيكُمْ بِأَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَفْرِدُوا لَهُ الطَّاعَةَ وَأَخْلِصُوا لَهُ الْعِبَادَةَ

فهنا يقال أيضاً، إذا جُعِلَ المشرك مسلماً ينقلب معنى الآية بِجعله من المهتدين المتَّبِعين للأنبياء، لا مِن الضالِّين، مع أنّه يخالف هداية الأنبياء * لأنّه عبد الطاغوت بدلاً من أن يكفُرَ به.

وممّا تَظهر فيه هذه المخالَفة البيِّنةُ للقرآن أيضاً أنّ لفظ المشركين في القرآن يدخل فيه المشرك الجاهل حتماً، ومَن جعَله مسلماً محتجّاً بِجهله يُخالف كلَّ هذه الآيات، ومنها:

﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (113)﴾ (التوبة)

ففي القرآن أنّ المسلمَ لا يجوز له أن يستغفرَ للمشركِ بعد موتِه.

قال الطبري مبيِّناً:

يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مَا كَانَ يَنْبَغِي لِلنَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ أَنْ يَسْتَغْفِرُوا، يَقُولُ: أَنْ يَدْعُوا بِالْمَغْفِرَةِ لِلْمُشْرِكِينَ، وَلَوْ كَانَ الْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُمْ أُولِي قُرْبَى، ذَوِي قَرَابَةٍ لَهُمْ. {مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [التوبة: 113] يَقُولُ: مِنْ بَعْدِ مَا مَاتُوا عَلَى شَرْكِهِمْ بِاللَّهِ وَعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ قَضَى أَنْ لَا يَغْفِرَ لِمُشْرِكٍ فَلَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَسْأَلُوا رَبَّهُمْ أَنْ يَفْعَلَ مَا قَدْ عَلِمُوا أَنَّهُ لَا يَفْعَلُهُ فَإِنْ قَالُوا: فَإِنَّ إِبْرَاهِيمَ قَدِ اسْتَغْفَرَ لِأَبِيهِ، وَهُوَ مُشْرِكٌ، فَلَمْ يَكُنِ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا لِمَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ} [البقرة: 259] وَعَلِمَ أَنَّهُ للَّهِ عَدُوٌّ خَلَّاهُ وَتَرَكَ الِاسْتِغْفَارَ لَهُ، وَآثَرَ اللَّهَ وَأَمْرَهُ عَلَيْهِ، فَتَبَرَّأَ مِنْهُ حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ أَمْرُهُ

وسبق ذكر قصَّة وفاةِ أبي طالب، وفيها كما عند ابن أبي حاتم في التفسير:

أَيْ عَمِّ قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَلِمَةٌ أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ ” فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ قَالَ: فَكَانَ آخِرُ شَيْءٍ كَلَّمَهُمْ بِهِ أَنْ قَالَ: عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ» فَنَزَلَتْ: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى} [التوبة: 113]

وفي تفسير عبد الرزَّاق الصنعاني رحمه الله تعالى ورَحِمَ الأئمَّة أجْمعينَ، آمين:

قَالَ: مَعْمَرٌ، وَقَالَ قَتَادَةُ: «تَبَيَّنَ لَهُ حِينَ مَاتَ وَعَلِمَ أَنَّ التَّوْبَةَ قَدِ انْقَطَعَتْ عَنْهُ»

وموافِقاً له الرواية عند الطبري:

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 113] ” وَكَانُوا يَسْتَغْفِرُونَ لَهُمْ حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فَلَمَّا نَزَلَتْ أَمْسَكُوا عَنْ الِاسْتِغْفَارِ وَلَمْ يَنْتَهُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْأَحْيَاءِ حَتَّى يَمُوتُوا ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ} [التوبة: 114] يَعْنِي: اسْتَغْفَرَ لَهُ مَا كَانَ حَيًّا فَلَمَّا مَاتَ أَمْسَكَ عَنْ الِاسْتِغْفَارِ”

وفي الآية حكم عامٌّ، وذُكِرَ فيها لِبيان هذا الحكمِ لفظُ المشركين، وهذا يَشمل جميعَ المشركين، الجاهلين والمعاندين.

ولذلك لم يذكرْ أحدٌ مِن أهل العلم تفريقاً بينَ مشركٍ ومشركٍ في هذا الأمر وأنّه يجوز الاستغفار لبعض المشركين دون بعض.

والمقصود في الآية بيان أنّ الاستغفار يحرُم بعد الموت على الكفر، لذا فسّر أهل العلم التبيُّن المذكور في الآية بالموت لأنّ التكليف ينقطع به.

وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (137)﴾ (الأنعام)

لا شكّ أنّ لفظ المشركين في هذه الآية يشمل جميع المشركين، كما في الآية السابقة. فالله تعالى ذكر عِلَّة كونِ هؤلاء مشركينَ وهي اتّخاذُهم شركاءَ مِن دونِه.

﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (6)﴾ (التوبة)

وهنا يسمِّيهم الله تعالى أيضاً مشركين. مَهْما علِموا مِن حقيقة الإسلام أم جهِلوا فذلك لا يغيِّر مِن اتّصافهم بالشِّرك شيئاً – وإن تلاعَب بعض الناس بمثل هذه الآية بما يخالف ظاهرَها ويناقض الكتاب والسنّة وما عليه سلف هذه الأمّة في فهمهم للقرآن من وجوه.

﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173)﴾ (الأعراف)

هذه الآية واضحةٌ جدّاً كذلك، وفيها ذكر الفعل ﴿أَشْرَكَ﴾ لا اسم الفاعل، فلا شكّ أنّ المراد هو مَن يفعل الشِّرك. فكيف يمكن أن يُدَّعَى أنّ مَن ذُكِر في الآية يمكن أن يكون مسلماً؟ إلّا أنّ ذلك يمكن على قول مَن يجعل بعضهم مسلمين بحجَّة الجهل والانتساب، مع أنّهم يَدخلون في قول الله تعالى المذكور لأنّهم فاعلون للشرك على كلّ حال.

فالآيةُ كغيرِها تشمل المشركين بِعِلَّةِ فعلِهم الذي هو الشِّرك. فيُسأل المخالف: (إذا كان هذا الشَّخص جاهلاً فهل فعَل الشِّركَ أم لاً؟)، فإن فعَله فإنّه داخل في الآية. وعلى المُنصِف المريدِ لِلحقِّ أن يسألَ نفسَه: هل قال أحدٌ مِن علماء السَّلفِ شيئاً يخالفُ هذا عند كلامِهم على هذه الآيات؟

ومثله يقال في الآيتين الآتيتين.

﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوص (109)﴾ (هود)

﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (40)﴾ (يوسف)

وهناك آياتٌ كثيرة في القرآن مِن هذا الباب، جاء ذكر الشرك ووصف المشركين فيها وصفاً عامّاً ولم يُستَثنَ مِن هذا الوصفِ العامِّ شيءٌ، ولكن أكتفِي بِما ذُكِرَ هاهنا ومِن قبل في هذا الكتاب.

وبهذا تمَّ ما رأيتَ أن أذكره في بيانِ معنى الإسلام بأدلَّتِهِ مِن الكتاب والسنَّة.

… والله تعالى أعلم وأحكم، والحمد لله ربِّ العالمين أوّلاً وآخراً.

Send this to a friend