(باب) مَن جَعَلَ نَوعاً مِن المشرِكينَ مُسلِمينَ بِجَهلِهم يَلْزَمُه ذلك حَتْماً فِي جَمِيعِ أَنْواعِ المُشْرِكين

تنبيه: تحميل الكتاب كاملا على صيغة pdf مِن أسفَلِ هذه الصفحة)

(باب) مَن جَعَلَ نَوعاً مِن المشرِكينَ مُسلِمينَ بِجَهلِهم يَلْزَمُه ذلك حَتْماً فِي جَمِيعِ أَنْواعِ المُشْرِكين

إنّ العرب في الجاهليّة انتسبوا كما تبيّن من قبل إلى إبراهيم عليه السلام، بل حسِبوا أنّ لهم مقاماً رفيعاً عند الله تعالى لأنّهم كانوا يراعون الكعبة بيت الله تعالى الذي رفع إبراهيم القواعد منه مع إسماعيل عليهما السلام.

روى البخاري في الصحيح قال:

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، قَالَ: فَيَقُولُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «وَيْلَكُمْ، قَدْ قَدْ» فَيَقُولُونَ: إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ، تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ، يَقُولُونَ هَذَا وَهُمْ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ

فعبّاد الأصنام هؤلاء آمنوا بوجود الله تعالى وعبَدوه، بل أخلصوا بعض عباداتهم لله تعالى. فظنّوا أنفسهم على دين إبراهيم وانتسبوا إلى الإسلام العامّ، ولم يجعلهم كلّ ذلك مسلمين في حقيقة الأمر.

فمن جعل مشركاً ما مسلماً لمجرّد انتسابه إلى دين محمّد ﷺ، يلزمه حَتماً أن يجعل أولئك المشركين في الجاهلِيَّة أيضاً مسلمين. بل مشركو العرب أولى أن يُجعلوا مسلمين على هذا القول الفاسد، لأنّهم عاشوا في جاهليَّة جهلاء. فلم يكن هناك كتاب محفوظ من عند الله كالقرآن الذي بين أيدينا إلّا بقايا من دين إبراهيم دونَ آية واحدة مكتوبة منه وبقايا اليهوديّة والنصرانيّة على تحريفٍ شديدٍ في كلِّ هذه الأديان.

 

فصل: وَمَن فَعَلَ ذلك في نَوعٍ مِن الشِرك فإنَّه يَلْزَمُه ضَرُورةً في جَمِيعِ الأَنْوَاع

إضافةً إلى ما سبق يلزَم مَن يقول بهذا القول الفاسد أنّ المرْءَ يُحتمل كونه مسلماً مع جميع أنواع الشرك الأكبر. فلو أشرك بالله تعالى خالقاً آخر أو ابناً أو أُمّاً، أو نسَب إلى بعض الخلق علمَ الله تعالى مطلَقاً، يمكن على أصلهم أن يكون مسلماً بِشرطِ أنّه لم يَعلَمْ أنّ هذه الاعتقاداتِ تُناقِض الإسلام وأنّه كان ممَّن ينتسب إلى الإسلام.

وكذلك لو عبَد عيسى عليه السلام أو الملائكةَ لا بدّ على أصلهم أن يكون مسلماً.

 

فصل: كثيرٌ مِن المشرِكينَ السَّابِقِينَ أَوْلَى بِالإسْلام عَلَى هَذا الأَصْلِ الباطِل

وسبب ذلك أنّ المرْءَ إذا عبد بعض الأموات ويمكن مع ذلك أن يكون مسلماً، فمن عبد أحد الأنبياء بل أُولي العَزْم مِن الرُّسل أَولى، إذ لا شكّ أنّ الأنبياء أفضل مِن سائر الأموات. فالنَّصارى العابدون لعيسى بن مريم u على قولهم أولى بالإسلام من هذا الوجه، لأنّهم انتسبوا إلى دينه وفعلوا ذلك جهلاً منهم.

وإذا أنكر المخالف ذلك واعترض أنّه لا يقرُّ أنّ من جعل عيسى ابن الله يمكن أن يكون مسلماً يقال له: لماذا لا يمكن ذلك؟ لأنّه شرك أكبر؟ فكيف يفرّق بين نوعين من الشرك الأكبر؟ فثَبَتَ أنّه لا يمكن التفريق بينهما إذ لا دليلَ على هذا التفريق بحال، بل كِلاهما مشرك، بل الذي يعبد أمواتاً غير الأنبياء أولى بِكونه مُشركاً من الذي يعبد نبيّاً بالاعتبار المذكور كما سبق، وخصوصا إذا كان ذلك المشركُ المنتسبُ إلى الإسلام أشرك بالله في شؤون الربوبيَّة وادّعى لمعبوده التصرُّف في أمور الكون وما يشبه ذلك، كما يقع اليوم من كثير من أهل الشرك، فمثلُ هذا أَوْلَى أن يكونَ مشركاً في كلِّ ما ذكِر!

لكنّ الأعجَب أنّ بعض القائلين بهذا القول الفاسد يلتزمون هذه اللوازمَ الباطلة ويقرّون بإسلام مَن جعل عيسى ابن الله وعبَده. فكيف يكون مثلُ هذا القائل مسلماً قد فهِم معنى التوحيد؟

 

فصل: مُخالَفةٌ لِلْقُرآنِ والسُّنَّةِ والإجْماعِ مِن وُجوهٍ كَثِيرَةٍ

جَعْل هؤلاء المشركين مسلمين مخالفٌ للدين مِن وجوه، ومَن قرأ القرآن يجزِم أنّ جميع الأنبياء اعتبروا أقوامهم مشركين عِندَما بُعثوا إليهم، وخاطبوهم بذلك، ودعَوهم إلى ترك الشرك وعبادة الله وحده.

ولذلك اتَّفق أهل التفسير واللُّغة والتاريخ على تسميَة هؤلاء العرب قبل البعثة بمشركي العرب. وكذلك اليهود والنصارى وغيرهم، فالقرآن يجعلهم غير مسلمين بوضوح وأجمع أهل العلم على ذلك، بل يروُون الإجماع أنّ مَن لم يكفّر اليهود والنصارى فإنّه كافر.

 

فصل: عامَّةُ المُشرِكينَ إنَّما يَقَعُون فِي الشِّرك بِسَبَبِ جَهْلِهم

لو قيل بأنّ المشركين في الجاهلية إنّما كانوا مُشركين لِمُعانَدَتهم مع عِلْمِهم بالحقّ لكان ذلك فِكرةً عجيبةً ومِن أبيَن الدلائل على جهل هذا القائل وفساده. بل هؤلاء الجاهليّون إنّما فعلوا الشرك لشِدَّة جهلِهم كما سبق بيانُ ذلك في مواضع. فكيفَ يأتي الآن أناس ويحكمون للمشركين اليوم بالإسلام بينَما مشركو الجاهليَّة عندهم من أعظم الكفّار، هذا أمر عجيب جدّاً.

فكأنّ المشرك عندهم كلَّما ازدادَ علماً بالحقّ وكلَّما تيسَّرت له سبلُه كان أحقَّ بالعذر. فمَن عرف العربيَّة وحفِظ القرآن ثُمَّ يعبد الأولياء من دون الله عندهم معذور بجهله، أمّا المشركون في الجاهليَّة فلا يتردَّدون في جعْلِهم مشركين اسماً وحكماً. فأيُّ مقياس هذا؟! هذا تناقض حتَّى على أصلهم الفاسد.

والحقيقة أنّ أصلَهم يقتَضِي كذلك كونَ اليهود والنصارى اليومَ أولى بوصف الإسلام العامّ بكثير، لأنَّهم أجهَلُ بكثيرٍ بِحقيقةِ دينِ الإسلام ونصوصِه، وسبيلهم إلى العلم أصعب بكثير من سبيل المشركين الذين يتكلّمون العربيّة ويعبدون القبور والدستور والطواغيت المشرِّعين والمشايخ والأولياء.

كلُّ هذه تناقضات شديدة متسلسلة، والحقيقة كما سبق أنّ أكثر الناس إنّما يفعلون الشرك جهلاً لا عن علمٍ ومعانَدة.

Send this to a friend