(باب) لا يَدخُلُ المُشرِكُ الإسلامَ إلّا بالتَّوبَةِ مِنَ الشِّرْك

تنبيه: تحميل الكتاب كاملا على صيغة pdf مِن أسفَلِ هذه الصفحة)

(باب) لا يَدخُلُ المُشرِكُ الإسلامَ إلّا بالتَّوبَةِ مِنَ الشِّرْك

 

قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (11)﴾ (التوبة)

روى ابن أبي حاتم في هذه الآية بسنده:

• … عَنِ الرَّبِيعِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ يَقُولُ: تَوْبَتُهُمْ خَلْعُ الأَوْثَانِ وَعِبَادَتِهَا.

… عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ قَوْلُهُ: فَإِنْ تَابُوا مِنَ الشِّرْكِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَمْ تَقْتُلْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ.

• وَرُوِيَ عَنِ الضَّحَّاكِ فَإِنْ تَابُوا مِنَ الشِّرْكِ.

… عَنِ الأَوْزَاعِيِّ فِي قَوْلِهِ: فَإِنْ تَابُوا قَالَ: شَهَادَةُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ.

وروى ابن أبي حاتم والطبري:

… عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ يَقُولُ: إِنْ تَرَكُوا اللّاتَ وَالْعُزَّى وَشَهِدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ

قال الطبري مبيّناً وَفق ما رواه عن السلف:

{فَإِنْ تَابُوا} [التوبة: 5] يَقُولُ: فَإِنْ رَجَعُوا عَمَّا نَهَاهُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ وَجُحُودِ نُبُوَّةِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ وَإِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لَهُ، دُونَ الْآلِهَةِ وَالْأَنْدَادِ، وَالْإِقْرَارِ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ.

وقال أيضاً:

قَالَ اللَّهُ: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} [التوبة: 5] قَالَ: تَوْبَتُهُمْ خَلْعُ الْأَوْثَانِ وَعِبَادَةُ رَبِّهِمْ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ.

فلا شكّ في إجماع أهل العلم على أنّ المشرك لا يَدخل الإسلام إلا بعد توبته من الشرك.

وقال تعالى ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَاعْتَصَمُواْ بِاللّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ لِلّهِ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً (146)﴾ (النساء)

قال الطبري مبيِّناً:

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 146] وَهَذَا اسْتِثْنَاءٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، اسْتَثْنَى التَّائِبِينَ مِنْ نِفَاقِهِمْ إِذَا أَصْلَحُوا وَأَخْلَصُوا الدِّينَ لِلَّهِ وَحْدَهُ وَتَبَرَّءُوا مِنَ الْأَلِهَةِ وَالْأَنْدَادِ، وَصَدَّقُوا رَسُولَهُ، أَنْ يَكُونُوا مَعَ الْمُصِرِّينَ عَلَى نِفَاقِهِمْ، حَتَّى يُوَفِّيَهُمْ مَنَايَاهُمْ فِي الْآخِرَةِ، وَأَنْ يَدْخُلُوا مَدَاخِلَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ، بَلْ وَعَدَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنْ يُحِلَّهُمْ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ مَحِلَّ الْكَرَامَةِ، وَيُسْكِنَهُمْ مَعَهُمْ مَسَاكِنَهُمْ فِي الْجَنَّةِ، وَوَعَدَهُمْ مِنَ الْجَزَاءِ عَلَى تَوْبَتِهِمُ الْجَزِيلَ مِنَ الْعَطَاءِ

فكيف يتوب المشرك من شركه إذا لم يخلص دينه لله؟

فلو نطق أحد المشركين بالشهادتين وصلّى وصام، إلّا أنّه لا يترك الشرك، فإنّه لا يمكن أن يصير مسلماً بإجماع المسلمين. مثلاً لو شهد أحد مشركي العرب بالإسلام، وأصرَّ مع ذلك على عبادة اللّات والعزّى، فهل يكون معقولاً أنّ يصِير مثله مسلماً عند أحد من المسلمين؟

ولذلك علَّق الله تعالى الأخوَّة في الدين المذكورةَ في الآية على ترك الشرك.

 

فصل: أَوَّلُ ما يُدْعَى إِلَيْهِ المُشرِكُ هُوَ التَّوحِيد

روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما:

 أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مُعَاذًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ ادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ.

وفي رواية له:

فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ فَإِذَا عَرَفُوا اللَّهَ فَأَخْبِرْهُمْ …

وفي رواية له:

فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ تَعَالَى …

وروى البخاري ومسلم:

 عن سَهْلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُفْتَحُ عَلَى يَدَيْهِ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فَبَاتَ النَّاسُ لَيْلَتَهُمْ أَيُّهُمْ يُعْطَى فَغَدَوْا كُلُّهُمْ يَرْجُوهُ فَقَالَ أَيْنَ عَلِيٌّ فَقِيلَ يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ فَبَصَقَ فِي عَيْنَيْهِ وَدَعَا لَهُ فَبَرَأَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ فَأَعْطَاهُ فَقَالَ أُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا فَقَالَ انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ.

فالأمر بالتوحيد مقدَّم على الأمر بالصلاة والزكاة وغيرهما، ومعنى ذلك أيضاً أنّ الشرك أوّل ما يُنهى عنه قبل غيره.

﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ (151)﴾ (الأنعام)

فليس من شكّ أنّ أوّل ما دعا إليه كلُّ نبيٍّ قومَه هو التوحيد.

﴿… اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُه … (59)﴾ (الأعراف)

قد أخبر الله تعالى في كتابه كثيراً أنّ كلّ نبيّ قال هذا لقومه، وقد سبق ذكر هذه الآيات وبيان معناها.

Send this to a friend