(باب) التَّوحِيدُ أَصْلُ الإسلامِ فَكَيْفَ يَكْونُ عَلَى الإسْلامِ مَن لَمْ يُحَقِّقْ أَصْلَه؟

تنبيه: تحميل الكتاب كاملا على صيغة pdf مِن أسفَلِ هذه الصفحة)

(باب) التَّوحِيدُ أَصْلُ الإسلامِ فَكَيْفَ يَكْونُ عَلَى الإسْلامِ مَن لَمْ يُحَقِّقْ أَصْلَه؟

أخرج البخاري:

عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ محمّدا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَصَوْمِ رَمَضَانَ

وفي رواية (عَلَى خَمْسٍ إِيمَانٍ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالصَّلَاةِ الْخَمْسِ) وفي روايةٍ لِمسلمٍ (عَلَى أَنْ يُوَحَّدَ اللَّهُ) وفي رواية له (عَلَى أَنْ يُعْبَدَ اللَّهُ وَيُكْفَرَ بِمَا دُونَهُ).

هذا أساسُ الإسلامِ الذي ينْبني عليه بالاتِّفاق، وأيُّ بيتٍ يَبقى إذا ذهب أصلُه؟

 

فصل: المُشرِكُ لَمْ يُحقِّقْ ما خُلِقَ لَه

قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58)﴾ (الذاريات)

﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ أي إلا ليوحِّدونِ [1].

روى الطبري في الآية، ومثله ابن أبي حاتم، قالا:

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] «إِلَّا لِيُقِرُّوا بِالْعُبُودَةِ طَوْعًا وَكَرْهًا»

وذكر البخاري في كتاب التفسير من كتابه الجامع الصحيح:

{وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]: «مَا خَلَقْتُ أَهْلَ السَّعَادَةِ مِنْ أَهْلِ الفَرِيقَيْنِ إِلَّا لِيُوَحِّدُونِ» وَقَالَ بَعْضُهُمْ: «خَلَقَهُمْ لِيَفْعَلُوا، فَفَعَلَ بَعْضٌ وَتَرَكَ بَعْضٌ، وَلَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ لِأَهْلِ القَدَرِ

وجاء في تفسير مقاتل بن سليمان المعدود من أتباع التَّابِعِين من أهل التفسير:

حدَّثنا عبد اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِي صَالِحٍ، قال: «إلا لِيوحِّدون» ، قال أبو صالح: الأمر يعصى والخلق لا يعصى

فالمراد: (إلَّا ليُفردوا الله بخصائصِه ولا يشركوا به أحداً في شيء من ذلك)، ومنه إفراده بالعبادة، لأنّ الإقرار بتوحيد العبادة والعمل به إذا حصَل ذلك على الوجه المطلوب يتضمَّن الإقرار والعمل بتوحيد الربوبيّة والأسماء والصفات.

ولذلك ذكر بعض أهل العلم أنّ كلّ ما جاء في القرآن من الأمر بالعبادة إنّما المراد منه الأمر بالتوحيد في العبادة. وهذا لا شكّ فيه، إذ القرآن كلّه يفصّل المراد من هذا الأمر.

وقد سبق كلام الطبريِّ وهو يذكر رواية ابن عبَّاس رضي الله عنهما في ذلك. ورواها بمثل ذلك ابن أبي حاتم، بسنده:

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَوْلُهُ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ أَيْ وَحِّدُوا رَبَّكُمْ.

ولو كان المراد مجرَّد العبادة لله حتى مع وجود الشرك، لكان عبّاد الأصنام موحِّدِين، وفي ذلك ذهاب معنى الدين كلّه. فتبيّن أنّ الله خلق الخلق لعبادته وحده لا شريك له، والمشرك لا يحقّق ذلك، فكيف يكون مسلماً؟

﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (البينة)

وقد عرَفتَ معنَى الإله وأنَّه المعبود، فلو أمكن أن يكونَ الفاعلُ للشِّرك الأكبرِ مسلماً مخلصاً لله، فما هو معنى قول الله إذاً لما قال:

﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (51)

كيف يقرؤُ عاقلٌ هذه الآيةَ ثُمَّ ذهَب إلى ذلك القول الفاسد وجعل المشرك مسلماً؟! أينَ تذهب عقولُ الناس عن هذه الآيةِ وهم يقرؤون القرآن، بل يدرِّسونه؟

 

——

[1] وتلك الياء في آخر الكلمة يجوز حذفها في اللغة كما في الآية، والكسرة تبقى إشارة إليها وإن لم يُنطقْ بها عند الوقف كما في آخر الآية.

Send this to a friend