(باب) الإسْلامُ هُو الإخْلاصُ والحنِيفِيَّةُ ومِلَّةُ إِبْراهيمَ والكُفْرُ بالطاغوتِ، والمشركُ لا يحقِّق شَيْئاً مِن ذلك

تنبيه: تحميل الكتاب كاملا على صيغة pdf مِن أسفَلِ هذه الصفحة)

(باب) الإسْلامُ هُو الإخْلاصُ والحنِيفِيَّةُ ومِلَّةُ إِبْراهيمَ والكُفْرُ بالطاغوتِ، والمشركُ لا يحقِّق شَيْئاً مِن ذلك

روى البخاري في الصحيح:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ القِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لاَ يَسْأَلُنِي عَنْ هَذَا الحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الحَدِيثِ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ، مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ، أَوْ نَفْسِهِ»

وروى أحمد في المسند قال:

سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: أَخْبَرَنَا مَنْ شَهِدَ مُعَاذًا حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ. يَقُولُ: اكْشِفُوا عَنِّي سَجْفَ الْقُبَّةِ أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَقَالَ مَرَّةً: أُخْبِرُكُمْ بِشَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أُحَدِّثَكُمُوهُ إِلَّا أَنْ تَتَّكِلُوا سَمِعْتُهُ يَقُولُ: ” مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُخْلِصًا مِنْ قَلْبِهِ، أَوْ يَقِينًا مِنْ قَلْبِهِ، لَمْ يَدْخُلِ النَّارَ أَوْ دَخَلَ الْجَنَّةَ، ” وَقَالَ مَرَّةً: ” دَخَلَ الْجَنَّةَ وَلَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ”

ورواه بمثله الطبراني في الكبير.

 

فصل: قولُ اللهِ جَلَّ ذِكْرُه ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾

قال تعالى في سورة الأنعام:

﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163)

جاء في تفسير ابن أبي حاتم:

عَنْ خُصَيْفٍ، فِي قَوْلِهِ: حَنِيفًا، قَالَ: الْحَنِيفُ الْمُخْلِصُ.

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: ” ضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْعِيدِ كَبْشَيْنِ، وَقَالَ حِينَ وَجَّهَهُمَا: ” {وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ}، {إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 162] . إِلَى آخِرِ الْآيَتَيْنِ”

فَقَرَنَ رسولُ الله ﷺ بينَهما لأنَّ مَن كان حنيفاً كانت حياتُه ومماتُه للهِ وحدَه، ليس فيه شركٌ، وليس هو مِن المشركين.

وقال الطبري في الآية:

يَعْنِي أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لَهُ خَالِصًا دُونَ مَا أَشْرَكْتُمْ بِهِ أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ مِنَ الْأَوْثَانِ. {لَا شَرِيكَ لَهُ} [الأنعام: 163] فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مِنْ خَلْقِهِ، وَلَا لِشَيْءٍ مِنْهُمْ فِيهِ نَصِيبٌ، لِأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ إِلَّا لَهُ خَالِصًا.

 

فصل: الإسلامُ هو الإخلاصُ والإخلاصُ لا يُوجدُ في أَحَدٍ مِن المشرِكينَ والآياتُ في أوِّلِ سُورَةِ الزُّمَر

تكرَّر مِراراً مِن الكتاب والسنَّة وقولِ السَّلف وصف الإسلام بالإخلاص، بل أنَّ الإخلاص أساس الدين الذي بُنِيَ عليه، كما سبق في أوَّلِ الكتاب من رواية ابن أبي حاتم – ورواه الطبري بمثله – قال:

عَنِ الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةَ، قَوْلُهُ: ” {إِنِ الْحَكَمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} [يوسف: 40] قَالَ: أُسِّسَ الدِّينُ عَلَى الْإِخْلَاصِ لِلَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ “

وقال تعالى في سورة الزُّمَر:

﴿بسم الله الرحمن الرحيم
تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (1) إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (2) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (3)

وسبَق تفسيرُ هذه الآياتِ عن السَّلف.

فثبت أنّ الإسلام هو الإخلاص وأنّ المسلم هو المخلص، فمن لم يحقِّقْه ليس على الإسلام حتماً. فمعنى كلمةِ (مسلم) هو أنّ هذا الشخص لا يعبد إلا الله، ولذلك جعَل أهلُ العلم الإخلاصَ شرطاً مِن شروط الشَّهادة، وإذا انتفى الشرط انتفى الإسلام بلا شكّ.

فهدى الله الذين يجوِّزُون مُشركاً يكون مسلماً في الوقتِ نفسِه، فعندهم يجوز أن يكون هناك (مسلم بلا إخلاص) و(مسلم بلا إسلام). إنّه لَتناقضٌ صارخ، والسُّؤال هو كيف يمكن أن يَعلمَ مَن صرَّح بهذا معنى الشهادة حقيقةً؟

وفي هذا الأمر مشكلةُ كثيرٍ مِن النَّاس اليومَ، أنّهم يتصوَّرون مسلماً بلا إخلاص ولا إسلام. ذلك لأنّهم لا يعلمون أنّ الإسلام إنّما هو عبادة الله وحده لا شريك له. وحقيقة قولهم أنّ معنى الإسلام هو الانتساب إليه، فيكون كلّ من يدّعي الإسلام مسلماً مَهْما قال ومَهما فعل.

وهكذا يصير الإسلام عندهم اسماً لا حقيقةَ له. كمثَل الأعمى يدّعي أنّه مبصر، فإذا أناس يقولون إنّنا نعلم أنّه أعمى لكنّه مبصر لمجرَّد ادّعائه. فماذا يُفهم من قولهم هذا إلا أنّهم لا يعرفون معنى البَصَر والعَمَى أو أنّهم يعرفون معناهما ويصرُّون على قولهم الباطل عِناداً؟

على هذا القول يمكن أن يكون الشخص مشركاً غيرَ مشركٍ، بِشرط أنّه كان جاهلاً بحقيقةِ الإسلام ومنتسباً للإسلام، فيصير عندهم مسلماً معذوراً بالجهل! أي هو مسلمٌ جاهلٌ لِجهلِه بالإسلام! وإن كان هذا أمراً يكاد أن لا يُصَدَّق، لكنَّه اليومَ اعتقادُ كثيرٍ مِن الناس.

فكلمة (المسلم) تحمل معنى معيَّناً يتضمَّن أفعالاً وصفاتٍ لا يأتي بها أحد من المشركين البتّة. وهذا ليس بغريب إذ كان الإسلام نقيض الشرك، ولذلك يستحيل أن يجتمع الشرك الأكبر والإسلام في الشخص الواحد في آنٍ واحدٍ. رجلٌ لا يعبد إلا الله لا يمكن بحالٍ أن يكون رجلاً يعبد غير الله.

 

فصل: الإسْلامُ هُوَ الحَنِيفيّةُ والمشركُ ليسَ حَنِيفاً

الحنيفُ هو من لا يعبد إلا الله، فلا يمكن أن يكون هناك حنيفٌ مشركٌ كما لا يوجد مسلمٌ مشركٌ أو مخلصٌ مشركٌ.

وفي كثير من آيات القرآن جاء بيانُ أنّ الإسلام هو الحنيفيّةُ وأنَّ كلَّ مسلمٍ حنيفٌ:

﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (5)﴾ (البينة)

  • يخبر الله تعالى أنّهم ما أمروا إلّا بالتوحيد لأنّه أساس الدين، ولا شكّ أنّ ما ذُكر بعده من الشرائع مع عِظم شأنّه لا يستوي هو والتوحيد. فبداية الآية المراد بها التوحيد أولاً، ذلك لما بُيِّن من قبلُ مِن أنّ الشرائعَ منْبَنِيَةٌ عليه، ولأنّها شُرِعت بعد التَّوحيد بِفَتْرة، ولأنّ مَن جهِلها قبل نزولِها أو بعدَه جهلاً معتبراً يكون مسلماً معذوراً بجهلِه، بخلاف مَن جهِل الإسلام نفسَه.
  • الله تعالى يؤكّد هذا الأمر ويبيّن أنّ معنى أن ﴿يَعْبُدُوا اللَّهَ﴾ هو ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، وَفقاً لِما سبق مِن أنّ الإسلام هو الإخلاص.
  • ثم يزيد الله الأمر بياناً فيبيِّن مرةً أخرى أنّ معنى أن ﴿يَعْبُدُوا اللَّهَ﴾ هو ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي ﴿حُنَفَاءَ﴾.
  • وذلك هو الإسلام، ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾.

فهذه الآية كذلك دليلٌ مستقلّ فيما نحن فيه، لأنّها تُناقض قولَ مَن يجعلُ بعضَ المشرِكينَ مسلِمينَ مِن عِدَّةِ وجوه.

وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67)﴾ (آل عمران)

في هذه الآية ما قيل في السابقة، ذُكرت فيها ثلاثة أمور كلّها في معنىً، (مسلمٌ) و(حنيفٌ) و(ما كان من المشركين).

 

فصل: الإسلامُ هُوَ مِلَّةُ إِبراهيمَ والمُشرِكُ مُخالِفٌ لِأَساسِها

ظهَر مِن الآيات السابقة أنّ الإسلام هو مِلَّة إبراهيم u. ومِلّة إبراهيم معناها عِبادة الله وحده وهي الإسلام العامّ الذي بُعث به جميع الأنبياء والمرسلين. لذلك يكون واضحاً معلوماً أنّنا مأمورُون باتّباع ملّة إبراهيم، ومع ذلك قد أَكَّد اللهُ هذا الأمر في مواضعَ من كتابه فقال:

﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (123)﴾ (النحل)

فثبَتَ أنّ التوحيد ملّة إبراهيم، والمشرك ليس له نصيب منها.

قال الطبري مبينا:

يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ: ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ وَقُلْنَا لَكَ: اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ الْحَنِيفِيَّةَ الْمُسْلِمَةَ {حَنِيفًا} [البقرة: 135] يَقُولُ: مُسْلِمًا عَلَى الدِّينِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ إِبْرَاهِيمُ، بَرِيئًا مِنَ الْأَوْثَانِ وَالْأَنْدَادِ الَّتِي يَعْبُدُهَا قَوْمُكَ، كَمَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ تَبَرَّأَ مِنْهَا

 

فصل: الإسْلامُ هُوَ الكُفْرُ بالطَّاغوتِ والمُشْرِكُ لا يُحقِّقُ ذَلك

المسلم لا بدَّ أن يتبرَّأ مِن كلّ ما عُبِدَ مِن دون الله أي لا بدَّ مِن أن يَكْفُرَ بالطَّاغوت [1].

لذلك جعل أهل العلم الكفر بالطاغوت شرطاً من شروط لا إله إلّا الله. المشرك لم يحقِّق الكفر بالطاغوت لأنّه يعبده والكفر به هو تركُ عبادته والكفرُ بها، فمِن المُحال أن يُدّعَى أنّ إنساناً ما عابد لله وحده لا شريك له ومع ذلك لم يترك عبادة المعبودات من دون الله.

ويظهر هنا مرّةً أخرى أنّه لا تأثيرَ البتَّة لِكَوْنِ هذا المشركِ عالماً أم جاهلاً بحقيقة حالِه، بل مَن لم يكفُرْ بالطاغوت يستحيل إسلامُه بغضِّ النظَر عن عِلْمِه أو جهلِه.

بل في مجرَّد احتجاج المخالف بالجهل حجَّةٌ أخرى على المخالف، إذ لو كان معذوراً بجهلِ حقيقةِ الإسلام والشركِ فكيف يكون مسلماً إن جهِل حقيقة الإسلام والشرك؟ كيف يَشهدُ بِشهادةِ التوحيد مَن لم يفهم معناها؟

فثبت أنّ مَن ادَّعى وجودَ مسلم يعبد غير الله فإنّه قد قال بذلك بوجود إنسانٍ كفَر بِعبادة الطاغوت وفي الوقت نفسه عبَد الطاغوت! وكما روى مسلم فإنَّ الإسلام بُنِيَ (عَلَى أَنْ يُوَحَّدَ اللَّهُ) و(عَلَى أَنْ يُعْبَدَ اللَّهُ وَيُكْفَرَ بِمَا دُونَهُ)، والمشرك لا يحقّق ذلك بحال.

وكذلك روى مسلم عن أبي مالك عن أبيه عن النبيّ ﷺ: (مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ) وفي رواية له (مَنْ وَحَّدَ اللَّهَ ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِهِ).

في كِلا الحديثينِ جعل التوحيد مقابلاً للكفر بالطاغوت. فكيف إذاً يمكن أن يُجعل مَن طلب الرِّزق من أحد الأموات من دون الله تعالى، قد كفر بالطاغوت؟ مع أنّ المراد بالكفر بالطاغوت إنّما هو الكفر بعبادة هذا المعبود من دون الله؟

 

فصل: لَوْ كان الإسلامُ مجرَّدَ الانْتِسابِ إلَيْه لَكانَ عُبّادُ الأصنامِ مُسْلِمِين

لو أمكن أن يكون المَرْءُ على دِينِ الإسلامِ لِمجرَّدِ انتسابِه إليه مع مخالفتِه لحقيقتِه لكان مشركُو العربِ على ملّةِ إبراهيم، لأنّهم انتسبوا إليها، وكثيرٌ منهم كانوا جهّالا بِمُناقضَة ما هم عليه لدين إبراهيم عليه السلام.

لكنّ هؤلاء كانوا مشركين بإجماع المسلمين، وما كانوا مسلمين لمجرّد انتسابهم وجهلهم. وكذلك الأمر اليومَ عند الذين ينتسبون إلى دين محمّد ﷺ مع وقوعهم في الشرك ومناقضتهم لحقيقة دين محمّد ﷺ. فإنهم لا يصيِّرهم جهلهم وانتسابهم إلى دين الإسلام مسلمين.

ومن فرّق بين أَتْباعِ محمّدٍ وأتباعِ غيرِه مِن الأنبياء في ذلك فقد فرّق بين المتماثلين دونَ أيِّ دليلٍ وخالفَ العقلاء، إذ العِلَّةُ الّتي جَعَلت كلَّهم مشركينَ واحدةٌ وهي شركُهم بغضِّ النظَر عن النبيِّ الذي انتمَوا إليه أو الشريعة التي انتسبوا إليها.

 

فصل: مَعْنَى كَلِمَةِ الشِّرْك

في الفصول السابقة تجلّى مِن النظر في كلمتَيِ الإسلام والمسلم معنى الإسلام وأنّه لا ينطبق على مشرك مطلقاً. وكذلك يتبيَّن معنى الإسلام مِن خلال فهم كلمتَي الشرك والمشرك. لا حاجة إلى إعادة ذكر أنّ الشرك ضدّ الإسلام والإخلاصِ والحنيفيّةِ وملّةِ إبراهيم.

وكما أنّ الإسلام ليس لفظاً مجرَّداً لا معنَى له فكذلك الشرك له معنًى وحقيقة يتبيّن من خلاله أنّ المشرك لا يكون مسلماً بحال. إسلام ومسلم وشرك ومشرك أسماء شرعيَّة لها دلالتها. وهناك أحكام تتعلَّق بهذه الأسماء وهي تنقسِم إلى أحكام الدنيا وأحكام الآخرة.

فالإسلام اسم يدلّ على أوصاف معيَّنَة إذا قامت في المَرْءِ كان مسلماً، وكذلك الشرك. والشرك والإسلام كغيرهما من الألفاظ مثل الآكل والشارب والماشي والراكب فيما ذُكر.

كلّ هذه الأسماء لها حقيقة إذا لم تتحقَّقْ في شخص لا يخالف عاقل أنّ الشخص لا يسمَّى بها. وهكذا يتبيَّن مرّةً أخرى أنّه لا تأثير لمسألةِ هل الشخص عالمٌ أم جاهل بحقيقة فعله، فإنَّه إمّا وُجدت فيه هذه الحقيقة أم لا، علِم ذلك أم جهِل.

وكذلك السارق يسمّى سارقاً إذا تحقّقت فيه حقيقة السرقة، سواء عَلِم حكمَ هذا الفعل في الإسلام أم لا. أمّا مسألة هل يلحَقه حكمُ السرقةِ أو يُعذر بجهله فهذه مسألة أخرى تماماً، لكنّها لا تُغَيِّر مِن وجود حقيقة السرقة أيَّ شيء. وقد ظهر اليومَ أناسٌ إذا قيل لهم (فلان سارق) يقولون (لا تقل سارق، إنه كان جاهلاً) للدفاع عن أصلهم الباطل، مخالفين لِلُّغة والشَّرع والعقل.

ومثله في هذا مَن كان مشركاً، فإنّ مَن فعل الشرك الأكبر سُمِّيَ به لوجود حقيقة الشرك فيه، ولا يمكن أن يسمّى مسلماً لأنّه ليس بمسلم في شيء، إذ حقيقة الإسلام لم تتحقّق فيه أصلاً. وهؤلاء يتصوَّرون مسلماً مشركاً، لكنَّ بعضهم مِن جهلهم بأبسط الأمور في اللُّغة إذا قيل لهم ذلك ينكرونه ويقولون (نحن نقرُّ بأنَّ هذا المسلم فَعَلَ الشرك الأكبر، لكنَّه ليس مشركاً).

لكنَّ لفظ (مشركٌ) في لغة العرب هو اسم الفاعل مِن (أشرَكَ)، واسم الفاعل فيه معنى الفعل، ولذلك جاز أن يُوضع موضعَ الفِعْل وأن يَعمَل عَمَلَه في الجملة. فيجوز أن يقال (زيدٌ أشرَكَ بالله شيئاً)، كما أنّه يجوز أن يقال (زيدٌ مشركٌ باللهِ شيئاً)، لا فرقَ بينهما في أصل المعنى، كما عند قولك (زيدٌ يَشرَب خمراً) و(زيدٌ شارِبٌ خَمْراً). فـ(شيئاً) و(خمراً) في الجملتين مفعول إمّا لِلفعل أو لاسم الفاعل الذي يعمل في المفعول عملَه اللغويَّ. فكيف يأتي الآن شخص ويقول (زيدٌ يشرَب خمراً …) فيقرّ بتحقُّقِ شربه للخمر، (… إلا أنّه ليس شارباً للخمر، لأنّه جاهل والجاهل معذور

أمّا الصواب في مثل هذا فهو أن يقال (زيد شرِب خمراً، إلّا أنّه جهِل حُرمةَ شُربِ الخمر جهلاً معتبراً، فلا يعاقَب لجهله.) أي تحققَّت فيه حقيقة الشرب فهو شارب بلا شكّ، لكنَّ حُكمَ الشرب يتخلَّف بسبب الجهل.

فأهل هذه البدعة يقرّون بأنّه أشرك بالله غيره، فقد أقاموا الحجّة على أنفسهم، إذ كفَى أن يقال لهم (فهو مشركٌ بالله غيره إذاً؟)، فإن أنكروه قد خالفوا اللُّغة والشرع والعقل السليم.

فظهَر جلِيّاً تناقضُهم في تصوُّر مسلمٍ مشركٍ بالله. ولِما سبَق مِن بديهيّات العربيَّة قال الطبريّ في النقل المذكور من قبل: (بَلْ أَكْثَرُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُمَا لَا يَسْتَوِيَانِ، فَهُمْ بِجَهْلِهِمْ بِذَلِكَ يَعْبُدُونَ آلِهَةً شَتَّى مِنْ دُونِ اللَّهِ).

فإنَّه استعمل اسم الفاعل تماماً كما سبق بيانه، لكن على قول أهل هذه البدعة جاز أنَّ الطبري أراد بقولِه (الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ) أي (المسلمِين المشرِكِين بالله)، لكن أرجو أنَّ مَن كانت له بقيّةُ عقلٍ لا يلتزم مثل هذا.

فالمدافعون عن هذا القول الباطل لا بدّ أن يسألوا أنفسهم، هل هناك مسلم يصحّ أن تطلق عليه العبارات الآتية:

  • مشركٌ بالله إلهاً آخرَ • عابدٌ مع الله إلهاً آخرَ • مُتَّخذٌ مع الله إلهاً آخرَ • عادلٌ بربِّهِ إلهاً آخرَ

 

——

[1] الكفر بالطَّاغوت ومعناه موضوعٌ هامٌّ، يتَّضح به معنى الإسلام أكثرَ فأكثرَ وتَنكشِفُ به تفاصيلُ مهمّةٌ تَمْنَعُ مِن وقوع المرْءِ في الإفراط والتفريط بعون الله وتوفيقه، فلا بدَّ مِن بحثِه بحثاً مُفْرداً مِن الكتاب والسنّة على طريقة أهل الأثر. فأسأل الله أن يُعينَ على تحقيقِ هذا المراد، آمين.

Send this to a friend