(باب) دِينُ اللهِ هوَ دِينُ الفِطْرةِ وَيُمْكنُ مَعْرِفتُهُ بِالفِطرَةِ والعَقْلِ وَمَعنَى المِيثاقِ الذي أخَذَه اللهُ على النَّاس

تنبيه: تحميل الكتاب كاملا على صيغة pdf مِن أسفَلِ هذه الصفحة)

(باب) دِينُ اللهِ هوَ دِينُ الفِطْرةِ  وَيُمْكنُ مَعْرِفتُهُ بِالفِطرَةِ والعَقْلِ وَمَعنَى المِيثاقِ الذي أخَذَه اللهُ على النَّاس

  • ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30)﴾ (الروم)، فأمر الله بالدِّينِ وبيّن أنّه الحنيفيّة وأنّه الفطرة وأنّه خَلَقَ جميعَ الناس عليها.

 

فصل: بيانُ النَّبيِّ ﷺ كَيفَ تُحرَّفُ فِطْرَةُ النَّاسِ عَن الحنِيفِيَّة الَّتِي خَلَقَهُمُ اللهُ عَليْها

  • أخرج مسلم:

عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي خُطْبَتِهِ أَلَا إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ مِمَّا عَلَّمَنِي يَوْمِي هَذَا كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْدًا حَلَالٌ وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمْ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا وَإِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَقَالَ إِنَّمَا بَعَثْتُكَ لِأَبْتَلِيَكَ وَأَبْتَلِيَ بِكَ وَأَنْزَلْتُ عَلَيْكَ كِتَابًا لَا يَغْسِلُهُ الْمَاءُ تَقْرَؤُهُ نَائِمًا وَيَقْظَانَ …

  • وفي صحيح البخاري عن أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:

كَانَ يُحَدِّثُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا الْآيَةَ.

وفي رواية:

هَلْ تَجِدُونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ حَتَّى تَكُونُوا أَنْتُمْ تَجْدَعُونَهَا.

فكلُّ مولود يولد على الإسلام على دين الفطرة. ويدلُّ الحديثُ على ذلكَ بوضوح ويدلُّ عليه:

1) ذِكرُ أبي هريرة لهذه الآية الَّتي ذكرتُها ومعناها في أوّلِ هذا الباب، فهذا استدلالٌ منه على هذا المعنى، وفي رواية لمسلم (ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا).

2) أنّه قال (يهوِّدانه) أو (ينصِّرانه) أو (يمجِّسانه) وعند مسلم (يشرِّكانه) ولم يقلْ (أو يسلمانه)، فعُلم أنّه لا حاجة أن يَجعلاه على الإسلام بِتربيَتِهِما له إذْ كان مسلماً بِدايةً.

3) وكذلك فالمذكور كلُّه دينُ الشرك، فإن كان الأمر أنّهما دائماً يجعلانه على ملّة الشرك فإنّه كان قبل ذلك على التوحيد لأنّ الشرك نقيض الإسلام، فمَن لم يكن مُشركاً كان مُسلماً، إمّا هذا وإمّا هذا، لا ثالث لهما. كلّ ذلك مع ملاحظة أنّ الأبوَينِ إنّما هما عبارة عن كلِّ ما يؤثِّر في إفساد الفطرة وتحريفِها.

4) ثم نجد الإمام مسلماً يذكر (مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا وَهُوَ عَلَى الْمِلَّةِ) وَفِي رِوَايَةٍ (… إِلَّا عَلَى هَذِهِ الْمِلَّةِ حَتَّى يُبَيِّنَ عَنْهُ لِسَانُهُ) وَفِي رِوَايَةٍ (… لَيْسَ مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا عَلَى هَذِهِ الْفِطْرَةِ حَتَّى يُعَبِّرَ عَنْهُ لِسَانُهُ).

فتبيّن أنّ المراد بالإسلام هنا هو ما ركّزه الله تعالى في فطرة الإنسان مِن الاستسلام لخالقه والتهيُّؤِ لقَبول التوحيد والسَّلامةِ من معارضته. وليس المراد والله أعلم أنّه حقَّق ما بعَثَ الله به المرسلين عِلماً وقَصْداً وعَملاً، لقوله تعالى ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (78)﴾ (النحل)

 

فصل: عِظَمُ شَأنِ الميثاقِ عِندَ مَن يَفْهَمُ الكِتابَ والسُّنَّةَ وإنْ جَهِلَهُ المُتَكَلِّمُون

  • ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (174)﴾ (الأعراف)

وروى أحمد:

حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ محمّد حَدَّثَنَا جَرِيرٌ يَعْنِي ابْنَ حَازِمٍ عَنْ كُلْثُومِ بْنِ جَبْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ أَخَذَ اللَّهُ الْمِيثَاقَ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ بِنَعْمَانَ يَعْنِي عَرَفَةَ فَأَخْرَجَ مِنْ صُلْبِهِ كُلَّ ذُرِّيَّةٍ ذَرَأَهَا فَنَثَرَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ كَالذَّرِّ ثُمَّ كَلَّمَهُمْ قِبَلًا قَالَ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ.

وروى أحمد أيضاً:

حَدَّثَنَا عَبْد اللَّهِ حَدَّثَنَا محمّد بْنُ يَعْقُوبَ الزُّبَالِيُّ حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ رُفَيْعٍ أَبِي الْعَالِيَةِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ الْآيَةَ قَالَ جَمَعَهُمْ فَجَعَلَهُمْ أَرْوَاحًا ثُمَّ صَوَّرَهُمْ فَاسْتَنْطَقَهُمْ فَتَكَلَّمُوا

ثُمَّ أَخَذَ عَلَيْهِمْ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالَ فَإِنِّي أُشْهِدُ عَلَيْكُمْ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ وَالْأَرَضِينَ السَّبْعَ وَأُشْهِدُ عَلَيْكُمْ أَبَاكُمْ آدَمَ u أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَمْ نَعْلَمْ بِهَذَا

اعْلَمُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ غَيْرِي وَلَا رَبَّ غَيْرِي فَلَا تُشْرِكُوا بِي شَيْئًا وَإِنِّي سَأُرْسِلُ إِلَيْكُمْ رُسُلِي يُذَكِّرُونَكُمْ عَهْدِي وَمِيثَاقِي وَأُنْزِلُ عَلَيْكُمْ كُتُبِي

قَالُوا شَهِدْنَا بِأَنَّكَ رَبُّنَا وَإِلَهُنَا لَا رَبَّ لَنَا غَيْرُكَ فَأَقَرُّوا بِذَلِكَ وَرَفَعَ عَلَيْهِمْ آدَمَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ فَرَأَى الْغَنِيَّ وَالْفَقِيرَ وَحَسَنَ الصُّورَةِ وَدُونَ ذَلِكَ فَقَالَ رَبِّ لَوْلَا سَوَّيْتَ بَيْنَ عِبَادِكَ قَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ أَنْ أُشْكَرَ

وَرَأَى الْأَنْبِيَاءَ فِيهِمْ مِثْلُ السُّرُجِ عَلَيْهِمْ النُّورُ خُصُّوا بِمِيثَاقٍ آخَرَ فِي الرِّسَالَةِ وَالنُّبُوَّةِ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى وَإِذْ أَخَذْنَا مِنْ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ إِلَى قَوْلِهِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ كَانَ فِي تِلْكَ الْأَرْوَاحِ فَأَرْسَلَهُ إِلَى مَرْيَمَ فَحَدَّثَ عَنْ أُبَيٍّ أَنَّهُ دَخَلَ مِنْ فِيهَا.

حديث أحمد هذا جاء مِن طُرُقٍ كثيرة لكنَّه مختصر في بعضها. أمّا مفصَّلاً كالذي سُقته عن أحمد فقد أخرجه الترمذيّ ومالك في الموطأ كِلاهما عن عمرَ بن الخطَّاب رضي الله عنه يرفعه إلى النبيّ ﷺ، ولعلَّ إسنادَ حديث أحمد أحسنها والله أعلم.

وروى أحمد في مسنده قال:

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ” يُقَالُ لِلرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ أَكُنْتَ مُفْتَدِيًا بِهِ؟ قَالَ: فَيَقُولُ: نَعَمْ، قَالَ: فَيَقُولُ: قَدْ أَرَدْتُ مِنْكَ أَهْوَنَ مِنْ ذَلِكَ، قَدْ أَخَذْتُ عَلَيْكَ فِي ظَهْرِ آدَمَ أَنْ لَا تُشْرِكَ بِي شَيْئًا، فَأَبَيْتَ إِلَّا أَنْ تُشْرِكَ

ورواه ابن أبي عاصم في السنَّة وفيه:

يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِأَهْوَنِ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا: لَوْ كَانَتْ لَكَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا أَكُنْتَ مُفْتَدِيًا بِهَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيَقُولُ: قَدْ أَرَدْتُ مِنْكَ أَهْوَنَ مِنْ ذَلِكَ وَأَنْتَ فِي صُلْبِ آدَمَ، أَنْ لَا تُشْرِكَ بِي شَيْئًا “. قَالَ: وَأَحْسَبُهُ قَالَ: «وَلَا أُدْخِلُكَ النَّارَ فَأَبَيْتَ إِلَّا الشِّرْكَ بِي»

وروى أبو داوود:

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ قَالَ سَمِعْتُ حَمَّادَ بْنَ سَلَمَةَ يُفَسِّرُ حَدِيثَ كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ قَالَ هَذَا عِنْدَنَا حَيْثُ أَخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ الْعَهْدَ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ حَيْثُ قَالَ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى.

فتبيّن أنّ العبد مفطور على الإيمان مِن أوّل أمره، وأنّه يَعرف ربّه بفطرته السليمة. فيَعرف أنّه خالقه وخالقُ كلِّ شيء وأنّه يتّصف بصفات الإلهيّة فيَعرف عظَمته وأنّه وحيدٌ فريد في هذا لا يماثله فيه شيء، وأنّ هذه الصفات تقتضي أنّه وحده يستحقّ العبادة، فلا يعبد إلا هو، وإفراده بالعبادة هو الحقّ والعدل والصواب، والإشراك به في عبادته هو أظلم الظلم، وأنّ من فعله ظالم مبطل وأنّه على الباطل أي ليس على التوحيد الحقّ بل على طريقٍ مخالف ودينٍ آخرَ مناقضٍ له.

كلّ ذلك يمكن أن يعرفه من فطرته وعقله إذا كان سليماً، وجاء الأنبياء ليذكّروا الناس بهذا الأصل العظيم. فأقلُّ ما يدخل به الإسلام هو شهادة التوحيد عِلماً وعَمَلاً. والدَّليل على ذلك آية الميثاق السابقةُ فإنّها واضحة فيه. فمَن قام بهذه الأمور فإنّه أتى بما عليه وبما طالبه به ربّه بقوله ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ وقوله (اعْلَمُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ غَيْرِي وَلَا رَبَّ غَيْرِي فَلَا تُشْرِكُوا بِي شَيْئًا).

Send this to a friend