(باب) مَعْنَى كَلِمَةِ الإسْلام وأَهَمِّيَّةُ هَذا المَعْنَى وَبَيانُ النَّبِيِّ ﷺ لَه

تنبيه: تحميل الكتاب كاملا على صيغة pdf مِن أسفَلِ هذه الصفحة)

(باب) مَعْنَى كَلِمَةِ الإسْلام وأَهَمِّيَّةُ هَذا المَعْنَى وَبَيانُ النَّبِيِّ ﷺ لَه

إنّ الله تعالى سمّى هذا الدين الإسلام، ومجرّد هذه التسمية لا بدّ أن تكون لها حكمة عظيمة، إذ جعَل كلمةَ (الإسلام) الاسمَ الشامل للملّة، وكلّ اسم استعمله الله تعالى لم يستعمله إلا لحكمة بالغة، فكيف بهذا الاسم الذي سُمّي به الدين كلّه؟ فعُلم بذلك أهمِّيَّة معرفةِ معنى لفظِ الإسلام للمسلم.

 

فصل: وَصْفُ النَّبيِّ ﷺ الإسْلامَ بأنّه إِفْرادُ اللهِ بِالعِبادَةِ وَتَرْكُ الشِّرْك

  • أخرج البخاري عن أبي هريرة حديث جبريل، وفيه أنّ رسول الله ﷺ قال:

الْإِسْلَامُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ وَتَصُومَ رَمَضَانَ …

فالإسلام هو عبادة الله وعدم الإشراك به. فمن لم يعبد الله كان مستكبراً ومن عبده وعبد معه غيره كان مشركاً غيرَ مسلم. ومعلوم أنّ ما ذُكر في الحديث بعد ذلك من الشرائع مع عِظم شأنها فإنّها تنبني على التوحيد كلّها. فمن صلّى وصام وحجّ مع أنّه لم يحقّق التوحيد لا يقبل منه شيء من الأعمال.

وفي المقابل فإنَّ مَن جهل الصلاة لعدم بلوغ النصّ في وجوبها إليه كان مسلماً معذوراً بجهله، بخلاف التوحيد، إذ كيف يكون محقِّقاً للإسلام من جهل الإسلام؟

ومعلوم في بداهة العقول أنّ إسلام المَرْءِ يتطلّب قصداً ونيّةً، وأنّى لمن جهل شيئاً أن يحقّقه قاصداً إليه؟

  • وفي حديث عبد الله بن عمر عن أبيه عند مسلم:

… وَقَالَ يَا محمّد أَخْبِرْنِي عَنْ الْإِسْلَامِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ محمّدا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ وَتَصُومَ رَمَضَانَ وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنْ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا قَالَ صَدَقْتَ …

فإنّه ﷺ لم يُرِدْ أن تشهد أن لا معبود حقٌّ إلا الله وإن كنت تعبد اللّات والعزّى وقتَ شهادتِك واستمررْت على عبادة الأوثان، جهلاً منك أنّ هذا ينافي معنى الشهادة. وهل يَفهم هذا المعنى من الحديث المذكور إلّا من جهل الإسلام بِنفسِه؟

 

فصل: إسلامُ عَليٍّ رضي الله عنه وَأنَّ الإسلامَ هُوَ تَوحِيدُ العِبادَةِ والبَراءَةُ مِن الأَوْثانِ والكُفْرُ بِها

وفي سيرة محمد بن إسحاق المتوفّى سنة 151هـ:

ثمّ إنَّ عليَّ بنَ أبي طالبٍ جاء بعد ذلك بِيَومينِ فوجدَهما يُصلِّيان، فقال عليٌّ: ما هذا يا محمّد؟ فقال النّبيُّ ﷺ: دينُ الله الذي اصطفى لنفسِه وبعث به رسلَه، فأدعوك إلى الله وحدَه، وإلى عبادتِه، وكفرٍ باللّاتِ والعَزّى،

فقال له عليٌّ: هذا أمرٌ لم أسمعِ به قبلَ اليومِ فَلستُ بقاضٍ أمراً حتى أحدِّثَ أبا طالبٍ، فكرِه رسولُ الله ﷺ أن يفشي عليه سرّه قبلَ أن يستعلن أمره، فقال له: يا عليُّ إذا لم تُسلم فاكتُم،

فمكَث عليٌّ تِلك اللّيلةَ، ثمَّ إنّ اللهَ أوقعَ في قلبِ عليٍّ الإسلامَ، فأصبحَ غادياً إلى رسول الله ﷺ حتى جاءه فقال: ما عرضتَ عليَّ يا محمّد؟

فقالَ له رسولُ الله ﷺ: تشهَدُ ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وتكفُرُ باللّاتِ والعزّى، وتبرَأُ مِن الأنداد، ففَعَل عليٌّ وأسلَمَ، ومكَث عليٌّ يأتِيه على خوفٍ مِن أبي طالب، وكتَم عليٌّ إسلامَه ولم يظهَر به.

فسمّى عبادة الله وحده والكفر بالأصنام (دين الله) و(الإسلام).

 

فصل: الأَمرُ بِتَوحيدِ العِبادةِ فِي القُرآنِ وقَولُه تَعالى ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ وَهُوَ أَوَّلُ أَمْرٍ في كِتابِ الله

قد رأيتَ أنَّ النبيَّ ﷺ بيَّن معنى الإسلام بتوحيدِ العبادة، وأمّا كتاب الله تعالى فإنّه يدور حول بيانِ التوحيد كلُّه، إذ هو رسالةُ الأنبياء وسبب إرسالهم وإنزالِ كتبِهم عليهم السلام، وسيأتي بيانُ ذلك مفصّلاً.

قال الله تعالى ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ …﴾ (الإسراء: 23)

ومثله قولُه تعالى في سورة البقرة، وهو أوَّلُ أمرٍ في القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21)

فلا شكَّ أنّ شهادة الإسلام طالبت المشكرينَ بتوحيدِ العبادة لله تعالى، لذا روى ابن أبي حاتم في التفسير، وذكَر هذا الخبر في مواضعَ مِن تفسيرِه، قال:

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَوْلُهُ {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ} [البقرة: 21] «أَيْ وَحِّدُوا رَبَّكُمْ»

ولذلك قال الطبريّ في معنى العبادة عموماً وفي الآية خصوصاً:

وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِيمَا رُوِيَ لَنَا عَنْهُ يَقُولُ فِي ذَلِكَ نَظِيرَ مَا قُلْنَا فِيهِ، غَيْرَ أَنَّهُ ذُكِرَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي مَعْنَى: {اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} [البقرة: 21] وَحِّدُوا رَبَّكُمْ.

وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا عَلَى أَنَّ مَعْنَى الْعِبَادَةِ الْخُضُوعُ لِلَّهِ بِالطَّاعَةِ وَالتَّذَلُّلُ لَهُ بِالِاسْتِكَانَةِ. وَالَّذِي أَرَادَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِقَوْلِهِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} [البقرة: 21] وَحِّدُوهُ: أَيْ أَفْرِدُوا الطَّاعَةَ وَالْعِبَادَةَ لِرَبِّكُمْ دُونَ سَائِرِ خَلْقِهِ.

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: “قَالَ اللَّهُ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} [البقرة: 21] لِلْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا مِنَ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ، أَيْ وَحِّدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ”

 

فصل: الأَمرُ بِتَوحيدِ العِبادةِ فِي قَولِهِ تَعالى ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾

قال الطبريُّ في التفسير:

وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} [الفاتحة: 5] لَكَ اللَّهُمَّ نَخْشَعُ وَنَذِلُّ وَنَسْتَكِينُ إِقْرَارًا لَكَ يَا رَبَّنَا بِالرُّبُوبِيَّةِ لَا لِغَيْرِكَ.

كَمَا حَدَّثَنَا … عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ جِبْرِيلُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ:

“قُلْ يَا مُحَمَّدُ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ، إِيَّاكَ نُوَحِّدُ وَنَخَافُ وَنَرْجُو يَا رَبَّنَا لَا غَيْرَكَ

وَذَلِكَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِمَعْنَى مَا قُلْنَا، وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا الْبَيَانَ عَنْ تَأْوِيلِهِ بِأَنَّهُ بِمَعْنَى نَخْشَعُ وَنَذِلُّ وَنَسْتَكِينُ، دُونَ الْبَيَانِ عَنْهُ بِأَنَّهُ بِمَعْنَى نَرْجُو وَنَخَافُ، وَإِنْ كَانَ الرَّجَاءُ وَالْخَوْفُ لَا يَكُونَانِ إِلَّا مَعَ ذِلَّةٍ؛ لِأَنَّ الْعُبُودِيَّةَ عِنْدَ جَمِيعِ الْعَرَبِ أَصْلُهَا الذِّلَّةُ، وَأَنَّهَا تُسَمِّي الطَّرِيقَ الْمُذَلَّلَ الَّذِي قَدْ وَطِئَتْهُ الْأَقْدَامُ وَذَلَّلَتْهُ السَّابِلَةُ: مُعَبَّدًا. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ طَرَفَةَ بْنِ الْعَبْدِ:

تُبَارِي عِتَاقًا نَاجِيَاتٍ وَأَتْبَعَتْ … وَظِيفًا وَظِيفًا فَوْقَ مَوْرٍ مُعَبَّدِ

يَعْنِي بِالْمَوْرِ: الطَّرِيقِ، وَبِالْمُعَبَّدِ: الْمُذَلَّلِ الْمَوْطُوءِ وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ لِلْبَعِيرِ الْمُذَلَّلِ بِالرُّكُوبِ فِي الْحَوَائِجِ: مُعَبَّدٌ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الْعَبْدُ عَبْدًا لِذِلَّتِهِ لِمَوْلَاهُ. وَالشَّوَاهِدُ مِنْ أَشْعَارِ الْعَرَبِ وَكَلَامِهَا عَلَى ذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى، وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ كِفَايَةٌ لِمَنْ وُفِّقَ لِفَهْمِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

Send this to a friend